فهرس الكتاب
النساء المدخنات، لأدخن أنا أيضًا، الدخان طقس سحري مثل الجنس، لا إشباع منهما أبدًا، مثل الموسيقى، أخيرًا انقطعت الموسيقى، لا بد أنهم يدعوننا إلى التوجه نحو الطائرة ماذا؟ تأجل الطيران إلى إشعار أخر لظرف قاهر... أثيوبيا ماذا؟
-هل ثمة حرب أخرى؟!
وحملت سؤالي صوب السمراء مباشرة، قالت متأففة.
-أجل، هجمنا على أثيوبيا، ألم تسمع؟
-أثيوبيا؟! لكنها بعيدة! ولا حدود لنا معها!
-انزال جوي، ألم تخدم في الجيش؟
قالت ذلك بسخرية واضحة، ونهضت وعافتني وسط دهشتي واستغرابي وغضبي، ورحت كالببغاء أتمتم، إنزال جوي، إنزال جوي أصرخ وأزعق وألعن الإنزال والهجوم والحرب وأثيوبيا حتى غامت الدنيا أمام ناظري واحتجبتا بالدخان والشظايا والرماد.
هكذا وجدت نفسي في مستوصف المطار محاطًا بطبيب وممرضة يواسيانني بلطف.
-سلامات أستاذ.
-اللعنة على الحرب.
-أية حرب؟
-حرب أثيوبيا.
-أنت واهم يا أستاذ، لقد اضطرت طائرة ركاب بسبب خلل فني، أن تهبط في مطار أثيوبيا، هذا كل ما في الأمر.
-حقًا؟
-حقًا.
ودون إرادة مني رحت أقهقه والدموع تنهمر من عيني، وصورة تلك السمراء الباذخة مازالت راسخة في مخيلتي وتدغدغ حواسي.
التماثيل
التمثال
كلما أمرُّ به أبصقُ عليه، لا أدري لِمَ أكن له كل هذه الكراهية.. هو محض تمثال لا غير، ليلة البارحة كنتُ حزينًا ومهمومًا حين مررتُ به وبصقتُ عليه كالعادة، بعد هنيهة رأيته يتحرك وينزل من قاعدته الكونكريتية ويمشي خلفي.. ظننت أن بصري قد خانني أو أصبت بهلوسة بصرية، لكنني تأكدت بعد أن دققت النظر من خلو مكانه حيث ترك منصته العالية وراح يمشي خلفي كرجل آلي.
من شدة فزعي وهلعي رحتُ أسرع في المشي بل رحت أهرول، وأتلفت يمنة ويسرة فراح هو الآخر يهرول متتبعًا خطواتي.. حين دخلت البيت تنفست الصعداء بعد أن أغلقت الباب غلقًا محكمًا، وارتميت على أقرب أريكة وأنا أتصبب عرقًا غزيرًا.. بعد لحظات قليلة سمعت طرقًا على الباب.. حذرت زوجتي.
-لا تفتحي.
-لا أفتحُ ماذا؟
سمعت طرقًا أشد.. قلت:
-الباب! ألا تسمعين الطرق؟ ولكن إياك أن تفتحيه.
بيد أنها فتحته.. يا للهول كان واقفًا هناك.
-لا أحد.. لا أحد
رددت زوجتي ودخل هو مطوقًا خصرها بذراعه الحجري المفتول أردفت بغنج:
-سوف أنام.