فهرس الكتاب
كلما استعيد ذكرى ذلك اليوم الغابر ينتابني الفزع ويعتصرني الألم، وذكرى فراق توأم طفولتي آزاد ابن جارنا المعلم الأستاذ قادر في محلة السراي، والذي كان يشاطرني اللعب واللهو طوال النهار، ولا يلبث أن يلازمني في المدرسة ولا يفترق عني لحظة واحدة، في الصف يجلس بجانبي على نفس المقعد ليشاكسني بين حين وآخر فيضطر المعلم لتوبيخنا وضربنا بالمسطرة الخشبية.. يا للأيام الجميلة.. بيد أن ذلك اليوم لا يشبه الأيام الأخرى، يوم أشبه بالكابوس لا يمحى من ذاكرتي بالرغم من مرور عشرين عامًا ونيّف.. إذ كنا عائدين للتو من المدرسة، جذلين نمرح طوال الطريق ونتسابق للوصل إلى البيت بشقاوة الأولاد الصغار، متأبطين كتبنا ودفاترتنا وأحلامنا، وما أن صرنا على مقربة من الحي، حي السراي القديم، ببيوته المتلاصقة ذات الشناشيل حتى رأينا جمهرة من الناس محتشدين قدام بيت آزاد الذي شحب لونه على الفور، وندت منه صرخة مكتومة (يا إلهي!!!!) وراح يركض نحو ذلك الحشد فركضت خلفه، وفوجئنا بالخالة غريبة أم آزاد شعثاء الشعر تنتحب وتولول:
حرام عليكم، حرام عليكم.
ارتمى آزاد في حضنها وراح هو الآخر ينتحب والناس، ناس محلتنا الشعبية صامتون باهتون كأنّ الطير على رؤوسهم، وعلى مقربة منهم تجثم سيارة مكشوفة يحيط بها نفر من رجال الشرطة بوجوه كالحة، حاملين بنادقهم يحثون الخالة غريبة:
هيا يا أختاه، عجلي، هذا أمر الحكومة، لسنا سوى مأمورين.
والخالة غريبة تردد دون هوادة:
حرام عليكم، حرام عليكم، حرام على الحكومة، حرام
في الحوض الخلفي للسيارة كان الأستاذ قادر مقرفصًا بهدوئه ووقاره المعهودين يبحلق بعينين مذهولتين صوب الأفق البعيد وفي قبضته المضمومة حفنة تراب.
لمحتُ أمي ضمن جمهرة الناس فاندسست بين طيات عباءتها، وقد أخذ الخوف مني كل مأخذ، وسألتها في الحال مرتبكًا متلعثمًا:
ماما، ما هذا التراب في يد الأستاذ قادر؟!
قالت دون أن تنظر إلي وكأنها تحادث نفسها وهي تشدني بحنو:
إنه الوطن يا ابني، الوطن.
لم أفهم شيئًا من إجابتها، ولم أستطع أن أعقب بسؤال استفهامي خشية أن تنهرني.. وفي هذه الأثناء قام اثنان من أفراد الشرطة بحمل الخالة غريبة إلى حوض السيارة جنب زوجها، وقام آخر بحمل آزاد فأومأ لي بيده مودعًا إياي، والدموع تخضب عينيه وتسيل على وجنتيه، وأومأت له بكف مرتعشة وطفقت أبكي مع أمي بحرقة وأسى والناس من حولنا يبكون بصمت بكاءً مرًا مأتميًا، وسألت أمي: