فهرس الكتاب
لا غرو أن يشتهر العقيلات بالكرم، فهم أو غالبيتهم من نجد منبع الكرم فضلًا عن أنهم يجوبون مناطق يتمسك سكانها بسجية الكرم العربي ويكاد الكرم أن يتجسد في أنحاء الجزيرة العربية بصفة عامة لا يستثنى من ذلك جزء على جزء. كما تضفي شمولية الكرم العربي على أقطار الوطن العربي دون استثناء بنسب متفاوتة، لكن من عاش في الصحراء أو قريب منها يختلف عمن عاش على السواحل وقرب البحار والأنهار حيث الطبيعة بتلك الأماكن قد يجد الإنسان أي إنسان ما يأكله ويسد رمقه ويستبقي حياته من صيد البحر والأنهار وما ينمو حولها من أشجار وثمار أما من يعيش في كبد الصحراء وبطون البراري فإنه لا يجد ما يدفع عنه غائلة الجوع ويبقى على حياته إلا أن يطرق بيت شعر يجده في جوف هذه الصحراء ويستضيف أهله ولذلك تجد سكان هذه الصحاري قد انغرست في نفوسهم وسرت مع دمائهم سجية الكرم بطريقة لا إرادية حيث يتوقف على ذلك حياة أو موت الإنسان وتكاد أن تكون في بدايتها تبادل منفعة ومصلحة ثم أصبحت سجية جُبِلَ عليها العربي وعرف بها وعرفت به منذ قرون سحيقة وصارت عنده بمثابة أحد أركان شخصيته وأخلاقه المميزة تأسره بمثلها الإنسانية التي تجعل إكرام الضيف من السمات التي يتحلى بها العربي أينما حل وحيثما رحل، فهو بتقديم ما يملك من طعام وشراب لإنسان محتاج في جوف هذه البراري قد ساهم إنسانيًا في إنقاذ حياة هذا الإنسان بالدرجة الأولى، وقدم له من الخدمات من المأوى والدفء ما خفف عنه تعب السفر ووعثائه وأمده بطاقة جديدة تدفعه إلى مواصلة رحلته لبلوغ هدفه وما دام الإنسان في هذه البقعة قد تعود على هذا العمل الإنساني ونشأ عليه وتخلق بهذه السجية فلا أقل بأن يسلك العقيلات هذا المسلك المشرف، كيف لا وهم أحفاد ذلك الجواد الكريم حامل لواء الكرم العربي حاتم بن عبدالله الطائي الذي يقوم لغلامه:
أوقد فإن الليل ليلٌ قر * * * والريح ياواقد ريحٌ صر
عسى يرى نارك من يمر * * * إن جلبت ضيفًا فأنت حر