بل بلغ ببعضهم كسعيد بن جبير، أنه كان يخرج في كل سنة مرتين، مرة للحج ومرة للعمرة، وكذلك مسلم بن يسار، كان يحج كل سنة ويحجّج معه رجالًا من إخوانه، وبعضهم كان يعدلُ لنفسه في العبادة، فهذا عيسى بن يونس غزا خمسًا وأربعين غزوة وحج خمسًا وأربعين حجة. وهذا عبد الله بن وهب قَسَم دهره أثلاثًا: ثلثًا في الرباط، وثلثًا يُعلّم الناس بمصر، وثلثًا في الحج، وحج ستًا وثلاثين حجة.
فيا عبد الله، لا تفوتك المشاعر: تلك الذكريات الجميلة والمشاهد العظيمة، وقد سئل سفيان الثوري جعفر بن محمد الصادق، فقال: لمَ جُعِل الموقف من وراء الحرم؟ ولم يُصيَّر في المشعر الحرام؟ فقال جعفر: الكعبة بيت الله، والحرم حجابه، والموقف بابه، فلما قصده الوافدون، أوقفهم بالباب يتضرعون، فلما أذن لهم في الدخول، أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة، فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم، رحمهم فلما رحمهم أمرهم بتقريب قربانهم، فلما قرَّبوا قربانهم، وقضوا تفثهم وتطهّروا من الذنوب التي كانت حجابًا بينه وبينهم، أمرهم بزيارة بيته على طهارة، قال سفيان فلم كُرِه (يعني حُرم) الصوم أيام التشريق؟ قال جعفر: لأنهم في ضيافة الله، ولا يجب على المضيف أن يصوم عند من أضافه، قال سفيان: جُعلت فداك، فما بل الناس يتعلّقون بأستار الكعبة، وهي خرق لا تنفع شيئًا؟ قال: جعفر ذاك مثل رجل بينه وبين رجل جُرم، فهو يتعلّق به ويطوف حوله، رجاء أن يهب له ذلك الجرم.