فهرس الكتاب
والمعنى الثاني مما يراد بالبرِّ: فعل الطاعات كلها والتوسع فيها، وأعظم ذلك الإخلاص، وقد دعا النبي- صلى الله عليه وسلم - ربه مستعينًا قائلًا: اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة» رواه ابن ماجه وهو صحيح. ثم المتابعة للنبي- صلى الله عليه وسلم - في كافة أعماله وخصوصًا مناسك الحج، ولذا كان- صلى الله عليه وسلم - يقول في الحج: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» رواه مسلم، ولقد استوعب الصحابة رضي الله عنهم ذلك الأمر، فقال الفاروق عمر حين قبل الحجر: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي- صلى الله عليه وسلم - يقبلُك ما قبلتك» وفي رواية: «استلمك ما استلمتُك، فاستلمه» رواه البخاري في صحيحه، ومن أعظم أنواع بر الحج كثرة ذكر الله تعالى فيه، وقد أمر الله تعالى بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى. قال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} والمعنى: فإذا دفعتم من عرفات فادعوا الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، ومنه التلبية والتكبير، والمراد بالذكر الدعاء، ثم كرر الأمر بالذكر تأكيدًا {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} أي: اذكروه ذكرًا حسنًا، كما هداكم هداية حسنة، وقال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ....} أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس من لدن إبراهيم- عليه السلام - إلى الآن لتكميل باقي المناسك في يوم العيد، ثم أمر تعالى باستغفاره والإكثار من ذكره {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:199] فهم في مساقط الرحمة ومواطن القبول ومظنات الإجابة، ثم قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة:200] وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادته أن