فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 47

يستغفر الله عن التقصير ويشكره على التوفيق.

والمقصود: الحث على كثرة الذكر لله عز وجل، كذكركم آباءكم، يعني: كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه فكذلك أنتم، فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، (وقيل: إنّ العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة فيذكرون مفاخر آبائهم ومناقب أسلافهم، فأمرهم الله بذكره، فكان ذلك الذكر، ويجعلونه ذكرًا مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد من ذكرهم لآبائهم) .

ثم أرشد تعالى إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه لا يلتفت إليها، فقال: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} [البقرة:200] وفيه النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا، والذم لمن جعلها غاية رغبته ومعظم مقصوده، ثم امتدح الله من يسأله للدنيا والآخرة، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، فقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة:201-202] . فللأولين نصيب من الدنيا ولا نصيب لهم في الآخرة، وللآخرين نصيب مما كسبوا في الدنيا وفي الآخرة، فصار هذا الدعاء {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أجمع دعاء وأكمله وأولاه، ولهذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم - يُكثر من الدعاء به والحث عليه، وفي حديث أنس قال: كان أكثر دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» رواه البخاري ومسلم، وعند مسلم: «اللهم» بدل ربنا، وزاد: وكان أنس إذا أراد أن يدعوا بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه» قال ابن كثير: «فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت