وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم )) ، ثم فسره بذكر الله؛ محمول على أن الذكر أفضل بالنسبة على المخاطبين بهذا، ولو خوطب به الشجاع الباسل الذي يحصل منه غناء عن الإسلام في القتال لقيل له الجهاد، أو الغني الذي ينتفع الفقراء بماله لقيل له الصدقة، أو القادر على السفر ولا غناء له في القتال لقيل له الحج، أو من له والدان لقيل له بر الوالدين، وكذلك الجميع، فبهذا الوجه يحصل الجمع بين الأحاديث كلها، ولا تتناقض، ويبقى ترجيح كل واحدة من هذه على غيرها عند الإطلاق إنما تؤخذ من أدلة خارجية لا من هذه الأحاديث، وذلك بعد الإيمان الذي هو الأصل
470-وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر الذي سقناه: (( إيمان بالله، وجهاد في سبيله ) )لا يقتضي مساواة الجهاد للإيمان من كل وجه، فكما أن الواو لا تقتضي الترتيب بذاتها لا تنافيه إذا دلت الأدلة عليه. وقد قامت الأدلة القاطعة على أفضلية الإيمان على الجهاد وغيره، فتكون الواو هنا بمعنى (( ثم ) )لدليلٍ من خارج، وهو حديث أبي هريرة المتقدم، الذي رتب فيه بعد الإيمان الجهاد بلفظ (( ثم ) )، ولكون الجهاد سببًا لإعلاء كلمة الإسلام، ودخول الناس فيه، وقمع الكفار وإذلالهم، وتمكن المسلمين من إظهار الإيمان، إلى غير ذلك من فوائده الجليلة؛ كان قريبًا من الإيمان، فلذلك قرنه به، وإن كان مرتبًا بعده.
471-وقول أبي ذر رضي الله عنه: (( أي الرقاب أفضل ) )، يريد به في العتق، كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات، ولهذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها ) ). والمراد بهذا الحديث والله أعلم: إذا أراد أن يعتق رقبة واحدة فلا ريب في أن الأكبر ثمنًا والأفضل نفاسة عند أهله هو الأفضل، فأما إذا كان معه قدر معين وأراد أن يشتري به رقبة يعتقها، وقدر على أن يشتري رقبتين أو