فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 453

نبه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود هذا بقوله: (( وهو خلقك ) )على عظم قبح الكفر؛ لأن الأدلة القاطعة دالة على أنه لا خالق إلا الله، ولا مدبر للعالم سواه، ولا موجد إلا إياه، فإذا عورض ذلك بعبادة غيره كان أعظم القبائح، ولذلك لم ينفع معه عمل، وكان موجبًا للخلود في النار، نعوذ بالله منها.

509-وأما قتل النفس والزنى فمذهب الشافعي وكثير من الأئمة أن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك بالله؛ لأن القتل يزيل الحياة بالكلية عمن كان يوحد الله ويعبده، فهو قاطع للتوحيد والعبادة الحاصلين من هذا المقتول، فكان قريبًا من مرتبة الكفر، وذهب غيره إلى أن الزنى أكبر من القتل في الفحش والإثم؛ لأنه قطع للنسب، فيصير ولد الزنى كالمعدوم؛ إذ لا نسب له، ولما ينشأ عنه من التباغض والحمية والغيرة المفضية إلى القتال وإراقة الدماء.

510-وهذا الحديث حجة للشافعي رحمه الله في تقديم القتل على الزنا بلفظ (( ثم ) )، لكنه لم يتضمن القتل والزنا مطلقًا، بل نوع كل منهما الذي هو أفحش أنواعه، فإن قتل الإنسان ولده -كما كانت العادة جارية به في الجاهلية- أشد أنواع القتل وأفحشها؛ لما في ذلك من القسوة والغلظ وعدم الرحمة على من جبل الله الطباع على رحمته، فلذلك خصه النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر، ثم نبه فيه أيضًا على فحش السبب الباعث على ذلك، وهو مخافة أن يشاركه في ماله، فانضم إلى ما ذكرناه البخل المذموم على الشيء اليسير الذي لا يضر كالأكل.

511-وأفحش أنواع الزنا أيضًا الزنا بحليلة الجار، فلذلك خصه النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر في هذا الحديث؛ لأن الجار يطلب من جاره أن يذب عن حريمه ويحامي عنهم ويدفع من يقصدهم بسوء، كما كانت كرام العرب تفعل، وأكد الله تعالى ورسوله حق الجوار ليترتب عليه الألفة والتواصل والمحبة في الدين، ولا شك أن الزنى بامرأته ينافي ذلك كله، وأيضًا فالجار كالمخالط له في داره المطلع على حريمه وعوارته، وهو أقدر على الوصول إلى حريمه من البعيد، فخصه الشارع صلى الله عليه وسلم بالذكر ليكون مخصوصًا بمزيد النهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت