فهرس الكتاب
أنحاء الجدال ومقابلة الأقوال بالأقوال، بل بقصد إزالة غير الإشكال ورد ما طعن به أهل الضلال والإضلال.
واعلم أن التقسيم على الإطلاق يستعمل على أنحاء يتوجه ههنا بشيء قدح به المعترض أو هجس به الخاطر، وإنما المستعمل ههنا من أنحائه ما تتميز به بعض الأشخاص بما اختصت به من الأحوال، وكل حالة منها تسمى توحيدًا على جهة تنفرد بها لا يشاركها فيها غيرها، فمن وجد التوحيد بلسانه يسمى لأجله موحدًا ما دام يظن أن قلبه موافق للسانه، وإن علم منه خلاف ذلك سلب عنه الاسم وأقيم عليه ما شرع في الحكم، ومن وجد بقلبه على طريق الركون إليه والميل إلى اعتقاده والسكون نحوه بلا علم يصحبه فيه ولا برهان يربط به سمي أيضًا موحدًا، على معنى أنه يعتقد التوحيد كما يسمى من يعتقد مذهب الشافعي شافعيًا والحنبلي حنبليًا، ومن رزق علم التوحيد وما يتحقق به عنده وسعى من أجله بشكوكه العارضة له فيسمى موحدًا لأنه عارف به، يقال جدلي ونحوي وفقيه، ومعناه يعرف الجدل والفقه والنحو، وأما من استغرق علم التوحيد قلبه، واستولى على جملته حتى لا يجد فيه فضلًا لغيره إلا على طريق التبعية له، ويكون شهود التوحيد لكل ما عداه سابقًا له مع الذكر والفكر مصاحبًا من غير أن يعتريه ذهول ولا نسيان له لأجل اشتغاله بغيره كالعادة في سائر العلوم؛ فهذا يسمى موحدًا ويكون القصد بالمسمى من ذلك المبالغة فيه.
فأما الصنف الأول؛ وهم أرباب النطق المنفرد فلا يضربون في التوحيد بسهم ولا يفوزون منه بنصيب ولا يكون لهم شيء من أحكام أهله في الحياة. إلا ما دام الظن بهم أن قلب أحدهم موافق للسانه، كما تفرد القول عليه بعد هذا إن شاء الله عز وجل.
وأما الصنف الثاني؛ وهم أرباب الاعتقاد الذين سمعوا النبي أو الوارث أو المبلغ يخبر عن توحيد الله عز وجل أو يأمر به ويلزم البشر قول لا إل?ه إلا الله المنبىء عنه، فقبلوا ذلك واعتقدوه على الجملة من غير تفصيل ولا دليل، فنسبوا إلى التوحيد وكانوا من أهله بمنزلة مولى القوم الذي هو منهم، وبمنزلة:"من كثر سواد قوم فهو منهم".
وأما الصنف الثالث والرابع؛ فهم أرباب البصائر السليمة الذين نظروا بها إلى أنفسهم ثم إلى سائر أنواع المخلوقات فتأملوها فرأوا على كل منها خطًّا منطبعًا فيها ليس بعربي ولا سرياني ولا عبراني ولا غير ذلك من أجناس الخطوط، فبادر إلى قراءة من لم يستعجم عليه وتعلمه منهم من استعجم عليه، فإذا هو الحظ الإل?هي المكتوب على صفحة كل مخلوق المنطبع فيه من مركب ومفرد وصفة وموصوف وحي وجماد وناطق وصامت ومتحرك وساكن ومظلم ونير، وهو الذي