فهرس الكتاب
يسمى تارة بعلامة وتارة بسمة وتارة بأثر القدرة وتارة بآية، كمال قال الشاعر، ولا أدري عن سماع أو رؤية قلب:
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه واحدُ فلو قرؤوا ذلك الخط وجدوا تفسير ذلك المكتوب عليه وشرحه أبدية مالكه والتصريف له بالقدرة على حكم الإرادة بما سبق في ثابت العلم من غير مزيد ولا تقصير؛ فتركوا الكتابة والمكتوب وترقوا إلى معرفة الكاتب الذي أحدث الأشياء وكونها ولا يخرج عن ملكه شيء منها، ولا استغنت بأنفسها عن حوله وقوته، ولا انتقلت إلى الحربة عن رق استعباده، فوجدوه كما وصف نفسه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وأما طريق معرفة صحة هذا التقسيم فلأن العقلاء بأسرهم لا يخلو كل واحد منهم أن يوجد أثر التوحيد بأحد الأنحاء المذكورة عنده؛ فأما من عدمت عنده فهو كافر إن كان في زمن الدعوة أو على قرب يمكن وصول علمها إليه أو في فترة يتوجه عليه فيها التكليف، وهذا صنف مبعد عن مقام هذا الكلام.
وأما من يوجد عنده فلا يخلو أن يكون مقلدًا في عقده أو عالمًا به، والمقلدون هم العوام وهم أهل المرتبة الثانية في الكتاب؛ فأما العلماء بحقيقة عقدهم فلا يخلو كل واحد أن يكون بلغ الغاية التي أعدت لصنفه دون النبوة، أو لم يبلغ ولكنه قريب من البلوغ، فالذي لم يبلغ وكان على قرب هم المقربون وهم أهل المرتبة الثالثة، والذين بلغوا الغاية التي أعدت لهم وهم الصديقون وهم أهل المرتبة الرابعة، وهذا التقسيم ظاهر الصحة، إذ هو دائر بين النفي والإثبات، ومحصور بين المبادىء والغايات، ولم يدخل أهل المرتبة الأولى في شيء من تصحيح هذا التقسيم، إذ ليس هم من أهله إلا بانتساب كاذب ودعوى غير صافية، ثم لا بد من الوفاء بما وعدناك به من إبداء بحث ومزيد شرح وبسط بيان تعرف منه بإذن الله حقيقة كل مرتبة ومقام وانقسام أهله فيه بحسب الطاقة والإمكان بما يجري به الواحد الحق على القلب واللسان.
بيان مقام أهل النطق المجرد وتمييز فرقهم
فأقول: أرباب النطق المجرد أربعة أصناف:
أحدهم نطقوا بكلمة التوحيد مع شهادة الرسول ثم لم يعتقدوا معنى ما نطقوا به لما لم يعلموه لا يتصورون صحته ولا فساده ولا صدقه ولا كذبه ولا خطأه ولا صوابه، إذ لم يبحثوا عليه ولا أرادوا فهمه إما لبعد همتهم وقلة اكتراثهم، وإما لنفورهم من التعب وخوفهم أن يكلفوا البحث عما نطقوا به أو يبدو لهم ما يلزمهم من الاعتقاد والعمل، وما بعد ذلك، فإن التزموها فارقوا راحات أبدانهم العاجلة وفراغ أنفسهم، وإن لم يلتزموا شيئًا من ذلك وقد حصل لهم العلم فتكون عيشتهم منغصة وملاذهم مكدرة من خوف عقاب ترك ما علموا لزومه، ومثل هؤلاء مثل من يريد