وأما القاعدة: فنذكر فيها الاسم الذي يكون سلوكنا في هذه العلوم عليه، والسمت الذي ننوي بمقصدنا إليه؛ ليكون ذلك أقرب على المتأمل وأسهل على الناظر المتفهم.
وأما الوصية: فنقصد فيها تعريف ما عليّ من نظر في كلام الناس وآخذ نفسه بالاطلاع على أغراضهم فيما ألفوه من تصانيفهم، وكيف يكون نظره فيها واطلاعه عليها واقتباسه منها، فذلك أوكد عليه أن يتعلمه من ظهورها فشردوا عنها وغلقت في وجوههم الأبواب وأسدل دونهم الحجاب، ولو أتوها من أبوابها بالترحيب وولجوا على الرضا بالحبيب لكشف لهم كثير من حجب الغيوب، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
المقدمة
اعلم أن الألفاظ المستعملة منها ما يستعمله الجماهير والعموم، ومنها ما يستعمله أرباب الصنائع؛ والصنائع على ضربين: علمية، وعملية، فالعملية كالمهن والحرف ولأهل كل صناعة منهم ألفاظ يتفاهمون بها آلاتهم، ويتعاطون أصول صناعتهم. والعلمية هي العلوم المحفوظة بالقوانين المعدلة بما تحرر من الموازين، ولأهل كل علم أيضًا ألفاظ اختصوا بها لا يشاركهم فيها غيرهم إلا أن يكون ذلك بالاتفاق من غير قصد، وتكون المشاركة إذا اتفقت إما في صورة اللفظ دون المعنى، أو في المعنى وصورة اللفظ جميعًا، وهذا يعرفه من بحث عن مجاري الألفاظ عند الجمهور وأرباب الصنائع، وإنما سمينا من العلوم صنائع ما قصد فيها التصنع بالترتيب في التقسيم واختيار لفظ دون غيره وحده بطرفين: مبدأ، وغاية؛ وما لم يكن كذلك فلا نسميه صناعة كعلوم الأنبياء صلوات الله عليهم والصحابة رضي الله عنهم، فإنهم لم يكونوا فيما عندهم من العلم على طريق من بعدهم، ولا كانت العلوم عندهم بالرسم الذي هو عند من خلفهم، ومثل ذلك علوم العرب ولسانها لا نسميها عندهم صناعة، ونسميها بذلك عند ضبطها بما اشتهر من القوانين وتقرر من الحصر والترتيب، ولأرباب العلوم الروحانية وأهل الإشارات إلى الحقائق والمسمين بالسادة والملقبين بالصوفية والمتشبهين بالفقراء، والمعروفين بالرقة، والمعزى إليهم العلم والعمل: ألفاظ جرى رسمهم بالتخاطب بها فيما يتذاكرون أو يذكرونه، ونحن إن شاء الله نذكر ما يغمض منها، إذ قد يقع منا عندما نذكر شيئًا من علومهم ونشير إلى غرض من أغراضهم؛ فلم نر أن يكون ذلك بغير ما عرف من ألفاظهم وعباراتهم، ولا حرج في ذلك عقلًا وشرعًا، ونحن بحكم مصرف التقدير وهو على كل شيء قدير.
فمن ذلك السفر، والسالك، والمسافر، والحال، والمقام، والمكان، والشطح، والطوالع، والذهاب، والنفس، والسر، والوصل، والفصل، والأدب، والرياضة، والتحلي، والتخلي، والتجلي،