الصفحة 8 من 40

أنْزَلَهُ إليْكُمْ {وَمَنْ يَتَوكلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شيءٍ قَدْرًا} والوصية:

أيها الطالب للعلوم والناظر في التصانيف والمستشرف على كلام الناس وكتب الحكمة: ليكن نظرك فيما تنظر فيه بالله ولله وفي الله، لأنه إن لم يكن نظرك به وكلك إلى نفسك أو إلى من جعلت نظرك به أبًا كان غيره من فهم أو علم أو حفظ أو إمام متبع أو صحة ميز أو ما شاكل ذلك، وكذلك إن لم يكن نظرك له فقد صار علمك لغيره ونكصت على عقبيك وخسرت في الدارين صفقتك، وعاد كل هول عليك: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدًا} . اسمع وصيتي إن تحفظ حظيت بها وإن تخالف فقد يردي بك الخلفُ وأزيدك زيادة تقتضي التعريف بأصناف العلماء لكي تعرف أهل الحقيقة من غيرهم، فلك في ذلك أكبر منفعة ولي في وصفهم أبلغ غرض.

قال علماؤنا: العلماء ثلاثة: حجة، وحجاج، ومحجوج؛ فالحجة: عالم بالله وبأمره وبآياته مهتمًا بالخشية لله سبحانه، والورع في الدين والزهد في الدنيا والإيثار لله عز وجل المستقيم. والحجاج: مدفوع إلى إقامة الحجة وإطفاء نار البدعة قد أخرس المتكلمين وأفحم المتخرصين، برهانه ساطع، وبيانه قاطع، وحفظه ما ينازع شواهده بينة ونجومه نيرة، قد حمى صراط الله المستقيم: والمحجوج: عالم بالله وبأمره وبآياته، ولكنه فقد الخشية لله برؤيته لنفسه، وحجبه عن الورع والزهد والرغبة والحرص؛ وبعده من بركات علمه محبة العلو والشرف، وخوف السقوط والفقر، فهو عبد لعبيد الدنيا، خادم لخدمها، مفتون بعد علمه، مغتر بعد معرفته، مخذول بعد نصرته شأنه الاحتقار لنعم الله، والازدراء لأوليائه، والاستخلاف بالجهال من عباده، وفخره بلقاء أميره وصلة سلطانه، وطاعة القاضي والوزير والحاجب له قد أهلك نفسه حين لم ينتفع بعلمه والاتباع له ومن يكون بعده قدوة به ومراده من الدنيا مثله، في مثل هذا ضرب الله المثل حين قال: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} فويل لمن صحب مثل هذا في دنياه؛ وويل لمن تبعه في دينه، وهذا هو الذي أكل بدينه غير منصف لله سبحانه في نفسه ولا ناصح له في عباده، تراه إن أعطي من الدنيا رضي بالمدحة لمن أعطاه، وإن منع رش بالدم لمن منعه، وقد نسي من قسم الأرزاق وقدر الأقدار وأجرى الأسباب وفرغ من الخلق كلهم، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى. وإنما زدتك هذه الزيادة وإن ظهر لكثير أنها ليست من الغرض الذي نحن فيه فقصدي أن يعلم من ذهب من الناس ومن يبقى، ومن أبصر الحقائق ومن عمى، ومن اهتدى على الصراط المستقيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت