الصفحة 194 من 197

والإنسان دائما يجتمع مع غيره من بنى جنسه، وهذا التعايش والاجتماع بين شتى أفراد المجتمع يؤدي إلى تأسيس قوانين ثابتة لصالح هذا المجتمع. والقوانين المصممة على أيدي الإنسان لتنظيم حياته تتسبب أن تسود الفوضى والإباحية ولا تحقق العدل بل بالعكس الجور والظلم. فللدين دور بارز في وضع النظام الأمثل لحياة الإنسان المشتمل على شتى جوانبها من عبادات ومعاملات وتشريعات سياسية واجتماعية وأخلاقية لازمة في حياته اليومية في المجتمع.

ورغم أن الإنسان يولد على الفطرة كما قال تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [1] . إلا أنه ينحرف عن فطرته بتأثير البيئة كما انزلق من التوحيد إلى الوثنية والتثليث وغيرهما من العقائد الفاسدة كما قال - صلى الله عليه وسلم -"ما من مولود يولد إلا على الفطرة فابواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" [2] فلا بد للإنسان من نظرية تعلقه وتحبسه على فطرته السليمة وعلى المبادئ والقيم التي تتمثل في سعادته.

والدين أيضا يتحدث عن نشأة العالم ويبين غوامض الكون وهذا يؤدي الإنسان إلى حقيقة ما بين أيديه من العالم {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [3] {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [4] .

وأيضا أن الله تبارك وتعالى قد وصف في القرآن الكريم إتمام الدين بقوله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [5] . وهذا يعطينا مؤشرة بارزة إلى أن الدين قد جاء نعمة للبشر. وجدير بنا أن نتعمق إلى هذا التعبير القرآني في ضوء معرفتنا عن ذات الإنسان. والإنسان يتميز عن عالم الحيوانات بذكائه وعقله. وهذا الذكاء والعقل هو الذي يساعده للتمييز بين الحق والباطل والصواب والخطأ. وإذا كانت العقول متفاوتة فمن الطبيعى أن يختلط الحق بالباطل وعدم التمييز بينهما، فإذا العقل القاصر الذي يمتلك الإنسان ليس كافيا لتحديد الصواب من الخطأ، فلا بد من نظرية تفسر للإنسان عن حقيقة الأمور وصلاحها وقبحها، وههنا نرى احتياج الإنسان إلى دين دبره خالقه عز وجل. وإلى أهمية هذا الدين يشير القرآن بتعبيره بالنعمة الإلهية، حقا أنها نعمة جزيلة منّها الله سبحانه وتعالى للخلق لسعادته الأبدية الخالدة. وان النعمة من طبيعتها أن تستحق الشكر، والشكر يورث مزيدا من الخيرات، كما قال تعالى {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [6] .

(1) سورة الروم- 30

(2) رواه البخاري في كتاب الجنائز

(3) سورة فصلت- 9، 10، 11

(4) سورة يس- 38

(5) سورة المائدة- 3

(6) سورة إبراهيم- 7

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت