هذه الآية فيها امتنان الله على عباده بما صيرهم إليه من أنساب وأصهار يقوم بذلك أصل نظام البشر، فجميع المفسرين على أن (البشر) المذكور في الآية الإنسان دون غيره، وعلى أن النسب فيها ما كان من جهة الأبوة والبنوة والأخوة لأولئك وبنوة لتلك الأخوة، وأن الصهارة ما كان من جهة المرأة وسميت مصاهرة من انصهار شيء في آخر، أي: اختلاطه به، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن الرضاعة من جملة النسب، ولما كانت الصهارة بالغة هذه الأهمية الكبيرة؛ جعلت من جنس البشر فخرج من دونهم، فكيف يجوز التناكح مع الجن والصهارة منعدمة في هذا الزواج، فالمسلم إذا تزوج بجنية لا يتحقق له معرفة أصهاره من الجن، فهذا الزواج يتنافى مع هذه الأحكام الشرعية العظيمة.
الدليل الرابع: قوله تعالى: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } النساء3
وجه الاستدلال بهذه الآية: أنها نصت على إباحة نكاح النساء، وهذا اللفظ خاص ببنات آدم لا يدخل فيه إناث الجن، ومن قال بخلاف هذا فعليه الدليل، لأن عموم المسلمين لم يفهموا قط أن الآية المذكورة تشمل نكاح إناث الجن، ولو فهموا هذا لصرحوا به في أحاديثهم ولنقل ذلك عنهم، ولم يفهم هذا أهل الاختصاص وهم علماء التفسير فتفاسيرهم التي ملئت بالدنيا لا تجد فيها تعميم الآية في إناث الجن، فهذا الاستنباط في غاية القوة، فكيف إذا انضم إليه من الأدلة ما يفوق الحصر؟!
الدليل الخامس: قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء } [النساء: 1]
المفسرون مجمعون على أن المراد بالنفس في هذه الآية: آدم، وعلى أن المراد بزوجها حواء، والجمهور على أن قوله (منهما) عائد على النفس، وهي آدم. وقال بعض العلماء: أي: من جنسها.