أقول: للمفسرين قولان في إطلاق لفظ (رجال) على الجن، فالجمهور يرون إطلاق (رجال) على الجن، صرح بهذا غير واحد من المفسرين، وغير الجمهور على عدم إطلاقه وقالوا: إنما ذكر لفظ (رجال) على الجن في الآية المذكورة من باب المشاكلة والمقابلة.
قلت: ليست حقيقة النزاع في مسألتنا هذه على إطلاق لفظ (رجال) على الجن وعدمه، وإنما النزاع: هل الجن مثل الإنس في الحد والحقيقة أم لا؟
قال ابن مفلح في"الفروع" (1/604) : قال شيخنا (يعني: ابن تيمية) : ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة... فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويا لما عليه الإنس في الحد، ولكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم، وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين""
قلت: من المعلوم قطعًا أن الجن يطيرون في الهواء حتى يصلوا إلى السماء، وهذا ليس في مقدور الإنس، وأعطاهم الله القدرة على التشكل بصورة الإنس والحيوانات وغير ذلك ولا قدرة للإنس على هذا، ولا نقدر على رؤيتهم إلا إذا تشكلوا، أما إذا كانوا على أصل خلقتهم فلا نقدر غالبا على رؤيتهم وهم يقدرون على رؤيتنا في كل أحوالهم فهذه الحقائق التي يخالفون الإنس لها صلة بمسألة التناكح معهم، وعلى سبيل المثال: إنسي تزوج جنية، فالجنية تتصور له تارة بصورة إنسية جميلة وتارة بصورة إنسية قبيحة وتارة تظهر له وما معها إلا عين واحدة وتارة تختفي من بين يديه ولو كان يجامعها فكيف يطيق الإنسي الحياة معها على هذه الحال.
فلا علاقة للفظ (رجال) المذكور في الآية بقضية نكاح الجن سواء قلنا بقول الجمهور أو بقول غير الجمهور مع أن القول بعدم إطلاق لفظ (رجال) على الجن أرجح لعدم إطلاقه عليهم في القرآن ولا في السنة.
كذلك استدلوا على جواز التناكح بين الجن والإنس بقوله تعالى: { الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ 5 } مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ { 6 } [الناس: 5-6]