وجه الاستدلال أن قوله { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } أن الله سمى الجن ناسا.
قلت: النزاع بين العلماء حاصل في تسمية الجن (ناسًا) فمن قائل يسمون بذلك، ومن قائل لا يسمون بذلك، والراجح عدم تسميتهم بذلك لأن الله ذكرهم كثيرا مقابل خطابه للإنس كقوله تعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ } [الأنعام130] فهذا يدل على أنهم لا يدخلون في خطاب الإنس.
وأما استدلال القائلين بإطلاق لفظ ( الناس ) عليهم بقوله: { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } فلا دليل فيها لأن المراد بالناس فيها شرار الإنس لا الجن، لأن شرار الإنس شياطين لتمردهم قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ } الأنعام112] فيستعاذ من شر شياطين الإنس كما يستعاذ من شر شياطين الجن، قال العلامة ابن القيم:"وحينئذ فالآية أبين حجة عليهم في أن الجن لا يدخلون في لفظ الناس لأنه قابل بين الجنة والناس فعلم أن أحدهما لا يدخل في الآخر، فالصواب القول الثاني وهو أن قوله { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } بيان للذي يوسوس، وأنهما نوعان: إنس وجن، فالجني يوسوس في صدور الإنس، والإنسي أيضا يوسوس إلى الإنسي""بدائع الفوائد" (2/808)