ولم تستقر الأحوال تقريبا إلاّ في زمن المهدي والهادي والرشيد ، وهي الفترة التي امتد عمر الفراء فيها 0
وقد كان هذا العصر مبدأ ظهور الزندقة واستفحالها في المجتمع الإسلامي ، حتى أقامت الخلافة من يكفيها أمرها ، ودعته بصاحب الزندقة ، واتخذت من الزندقة تهمة العصر التقليدية ، فكل معارض عرضة للاتهام بها ، وبذا تتخلص الدولة منه 0
ومن الفتن التي عكّرت صفو المأمون فتنة أهل بغداد ضده بقيادة عمه ابراهيم بن المهدي ، وانتصار المأمون عليه ، ودخوله بغداد فاتحا ، ارتفاع النهار ، لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر ، سنة أربع ومئتين من الهجرة [1] 0
ـ 15 ـ
ب ـ الحياة الاجتماعية:
هذا العصر هو عصر الرخاء والثراء ؛ نتيجة الفتوحات التي اتسعت ، حتى أن الرشيد نظر إلى غيمة فقال لها [2] :"اذهبي أنى شئت فسيأتيني خراجك"0
وكانت الدولة الإسلامية تمتد ـ في هذا العصر ـ من الأندلس غربا إلى الهند والصين شرقا ، وكانت تضم تحت لوائها أماما وأجناسا شتى ، تختلف في الألوان والأشكال والصفات والمزايا بعضها عن بعض ، ولكل منها تقاليدها وعاداتها وميولها ، ففيهم العربي والفارسي والهندي000 ، ومنهم السني والشيعي 000 ، ومنهم الذمي والعبيد والموالي ، ومنهم المتطرف والمتزندق 000 وما إلى غير ذلك 0
وكانت المدن الإسلامية تموج بتلك العناصر المختلفة المتعددة ، وبغداد حينئذ موطن الحكم ، وحاضرة العام الإسلامي ، وعن ثرائها حدث ولا حرج ، حيث كانت خزائن الرشيد تفيض بالأموال التي كانت تجبى من الضرائب ، حتى بلغت في عهده ما يقرب من اثنين وسبعين مليون دينار ، عدا الضرائب العينية [3] 0
(1) تاريخ الأمم والملوك 10/ 254
(2) تاريخ الإسلام السياسي 2/62
(3) القلقشندي ، صبح الأعشى 2/ 27