وعلى الرغم من ذلك فقد كانت الأحوال الداخلية تتسم أحيانا بالهدوء ، وأخرى بالفتن ، وبعض الحوادث التي سرعان ما أخمدت ، كحوادث العلويين والخوارج ، وكان الجوّ السياسي يتسم أحيانا بالمكايد والمؤمرات والفتن والاضطرابات ، فالصراعات بين العرب والفرس تستيقظ كلما وجدت إلى ذلك سبيلا ، وعلى الرغم من أنّ الدولة العباسية قامت على أكتاف الفرس ، غير أن الخلفاء العباسيين كانوا يلحظون نزعة السيطرة من جانب الفرس ، فيحاولون تقليم أظافرهم بين الفينة والفينة ، كما حدث مع أبي مسلم الخرساني ، وأبي سلمة الخلال ، والبرامكة ، وما الحرب بين الأمين والمأمون إلاّ صورة من صور النزاع بين العنصرين العربي والفارسي ، تلك الحرب التي ذهب ضحيتها الأمين ، كما أن ثورة نصر بن شبث ضد المأمون خير مثال ودليل على ذلك ، فقد كان يقول [1] :"هواي في بني العباس ، وإنما حاربتهم محاماة عن العرب ؛ لأنهم يقدمون عليهم العجم"0
وقد تنبه الفرس وانقضّوا على الدولة العباسية فيما بعد ، وحاربوا المأمون وجها لوجه ، كما كان ذلك في ثورة بابك الخرّمي سنة 204 هـ ، حيث انتصر على المأمون في بعض المواقع ، ولم يقض المأمون على هذه الثورة الجامحة ، بل تركها إرثًا لأخيه المعتصم ، وطلب إليه الصرامة والحزم في تعقب أتباع بابك [2] 0
كذلك عكّر الزط صفو المأمون ، كما قامت بضواحي الكوفة سنة 199هـ فتنة بزعامة أبي السرايا ، الذي كان يدعو لأحد العلويين [3] ، كما غلب على المأمون الفضل بن سهل ، حتى ضايقه فقتله ، وادّعى قوم أن المأمون دسّ عليه من قتله [4] 0
ـ 14 ـ
(1) محمد كرد علي ، خطط الشام 1/186
(2) الطبري ، تاريخ الأمم والملوك 10/251
(3) حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي 2/69 ـ 70
(4) المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر 7 / 2ـ3