الصفحة 124 من 266

... إنّ الفروق التي سنوردها بين المذهبين ليست جامعة ، ولا مانعة ، فليست هناك قاعدة أجمع عليها نحاة البصرة ، وأجمع على معارضتها نحاة الكوفة ، أو قال بها الكوفيون جميعا ، وعارضها البصريون جميعا ، بل كثيرا ما نجد العالم الواحد من أهل الكوفة ، يذهب إلى أحكام يوافق فيها مذهب البصريين ، ويخالف أهل مذهبه ، وكثيرا ما نجد هذه الظاهرة في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف بخاصة [1] ، وفي كتب النحويين بعامة [2] ، وما أكثر ما نقرأ في كتب النحو: قال البصريون إلاّ فلانًا وفلانًا كذا 000 ، وذهب الكوفيون إلاّ فلانًا إلى كذا 000 ، ولم يطّرد الصواب في أحد المذهبين اطرادا ، بل نجده تارة مع هؤلاء ، وأخرى مع أولئك [3] ، وأحيانا لا مع هؤلاء ، ولى مع أولئك ، ولكنه في مكان ما بينهما 0

1 ـ صورة المذهب الكوفي عند القدماء:

... سنقصر الكلام في هذا المقام على ناحيتين اثنتين ، إليهما مردّ الأمر كله ، وهما السماع والقياس 0

... جعل الأقدمون البصريين أهل قياس ؛ لأن من ضبطه منهم كثيرون ، ولهم فيه عناية فائقة، على حين عدّوا الكوفيين أهل سماع ؛ لأنهم سجلوا كل ما سمعوه ، ولم يحكموا القياس إحكام البصريين ، فأربوا عليه بالسماع 0

... لقد جمع السيوطي خلاصة آراء القدماء في المذهب الكوفي ، إذ يقول [4] : مذهب الكوفيين القياس على الشاذ ، ومذهب البصريين اتباع التأويلات البعيدة ، التي خالفها الظاهر ، ويقول [5] : اتفقوا على أن البصريين أصح قياسا ؛ لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ، ولا يقيسون على الشاذ ، والكوفيون أوسع رواية ، ويقول أيضا [6] : ومما افتخر به البصريون على الكوفيين أنهم يأخذون اللغة عن حرشة الضباب ، وأكلة اليرابيع ،

ـ 124 ـ

(1) الإنصاف 1/33 ( المسألة الثالثة )

(2) ابن هشام ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، ص 249

(3) في أصول النحو ، ص 158

(4) الاقتراح ، ص 86

(5) م 0 ن ، ص 84

(6) م 0 ن ، ص 0 ن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت