الصفحة 126 من 266

... لقد غصت كتب المحدثين بالأقوال المتضاربة ، والآراء المتناقضة ، والمذاهب المتعاكسة عند حديثهم عما نحن بصدده ، فيرون أن مدرسة البصرة كان لها اتجاه يميزها عن مدرسة الكوفة ، فالبصريون أصحاب عقل وقياس ، والكوفيون أهل شعر ورواية ، البصريون قوم منطقيون وقيّاسون ، كانوا أسبق من غيرهم إلى الانتفاع بالمنطق الأرسطي ذلك أن تأثير المذاهب الفلسفية ظهر في البصرة قبل الكوفة [1] ، كما كان بين نحاة البصرة كثير من الشيعة والمعتزلة الذين أفسحوا في المجال للحكمة الأجنبية ، لكي تؤثر في مذاهبهم الكلامية ، وبلغ من حرصهم على القياس أن استهانوا بهذا السماعي ، وجعلوه شاذا لا يقاس عليه ، وألزموا النحو حدود أقيستهم ونظرياتهم الفلسفية [2] ، وكثيرا ما كانوا إذا وجدوا شواهد مخالفة لأقيستهم ونظرياتهم أجهدوا عقولهم ، وكدوا أذهانهم في تأويلها ، وتخريجها ، وتسخيرها لما أرادوا ، وهم يرون أن العرب بنوا كلامهم على اعتبار حكم المشاكلة ، والمحافظة على أن تجري الأبواب على نسق واحد ، لذا كانت الفكرة الراسخة في أذهان البصريين أن اللغة ينبغي أن تسير على سنن واحد ، وتجري دائما منطقية ، ولكن اللغة ليست منطقية دائما ، فكل منا يتألف من ذكاء وإرادة وحساسية ، وفي كثير من الأحيان نلاحظ أن بين لغة العقل والمنطق ، ولغة الإرادة والرغبة ، ولغة الانفعال

ـ 125 ـ

والحساسية فرقا كبيرا [3] ، والناظر في معجماتنا العربية يرى أن اللامنطقية تتضح فيها في مواطن كثيرة [4] 0

(1) تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ص 55

(2) المدخل إلى دراسة النحو العربي على ضوء اللغات السامية ، ص 63 ـ 65

(3) اللغة ، ص 182

(4) مرمرجي الدومنيكي ، هل العربية منطقية ، ص 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت