الصفحة 138 من 266

... لقد لجأ الكوفيون إلى هذا الاستدلال أكثر من لجوئهم إلى الاستدلال بالتقسيم ، وكلامهم في هذا لا يختلف عن كلام خصومهم ، مما يدل على أن أبا البركات نفسه وراء حجج الكوفيين والبصريين معا ، ففي تجويزهم جمع العلم المؤنث بالتاء جمع مذكر سالما ، يسوقون هذا الدليل: وإذا كانت الهاء في تقدير الإسقاط جاز جمعه بالواو والنون كسائر الأسماء المجموعة بالواو والنون ، والذي يدل على صحة مذهبنا أنا أجمعنا على أنك لو سميت رجلا بحمراء أو حبلى لجمعته بالواو والنون ، فقلت: حمراوون وحبلون ، ولا خلاف أن ما في آخره ألف التأنيث أشد تمكنا من التأنيث مما في آخره تاء التأنيث ؛ لأن ألف التأنيث صيغت الكلمة عليها ، ولم تخرج الكلمة من تذكير إلى تأنيث ، وتاء التأنيث ما صيغت الكلمة عليها ، وأخرجت الكلمة من التذكير إلى التأنيث ، ولهذا المعنى قام التأنيث بالألف في منع الصرف مقام شيئين ، بخلاف التأنيث بالتاء ، وإذا جاز أن يجمع بالواو والنون ما في آخره ألف التأنيث ، وهي أوكد من التاء ، فلأن يجوز ذلك فيما آخره التاء ، كان ذلك من طريق الأولى [1] 0

... والكوفيون هنا لا يعتمدون الاستدلال بالأولى فحسب ، بل يستعينون بالعلة أيضا ، وبالتنبيه إلى الفوارق الدقيقة بين علامات التأنيث ، ويبدو لنا أن أبا البركات هو صاحب هذه الصياغة 0

... وفي موضع آخر [2] يردون على البصريين مذهبهم في أن لولا حرف جر ، والضمير بعدها موضعه الجر بها ، ويسوقون كلاما طويلا ، يجيء فيه تعليل دقيق لوجود نون الوقاية وهو قولهم: فلو لم يأتوا بهذه النون لأدى ذلك إلى أن يكسر الفعل لمكان الياء ؛ لأن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلاّ مكسورا ، والفعل لا يدخله الكسر ؛ لأنه إذا لم يدخله الجر ، وهو غير ملازم استثقالا له ، فلأن لا يدخله الكسر الذي هو لازم استثقالا له ، كان ذلك من طريق الأولى 0

(1) الإنصاف 1/40 ـ 41

(2) م 0 ن 2/688 ـ 689

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت