الصفحة 156 من 266

... يقال لنا إنّ الكوفيين لم يترددوا في وضع الحكم على أساس الشاهد الواحد ، أو الشاهدين ، نرى مثل هذا الكلام في كثير من كتب اللغويين ، وبخاصة في كتب المتأخرين منهم ، فندهش ؛ لأننا لا نتصور أن الكوفيين كانوا من الغفلة بحيث يجدون أمامهم مجموعة من الشواهد كثيرة ، وأخرى قليلة ، فيضعون على القليلة ، ويهملون الكثيرة ، ونزعم أنهم كانوا يعتدون بالشاهد الواحد حينما لا يجدون غيره ، فما وصل إلينا من الشعر يعدّ قليلا إذا ما قيس على ما ضاع منه ، قال أبو عمرو بن العلاء [1] : ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلاّ أقله ، ولو جاءك لجاءكم علم وافر ، وشعر كثير ، فربما كان هذا القليل كثيرا ، فضاع الكثير ، وبقي القليل ، وربما كان السبب في أن يحفل الكوفيون بالنادر من لغات العرب لأن القرآن الكريم فيه من الكلمات ما تشذ عن قواعد النحو البصري ، هذا فضلا عن اعتزاز الكوفيين بعامة بالنصوص التي وصلت إليهم من العرب اعتزازا كبيرا ، فلم يشاءوا التفريط في أي نص من تلك النصوص ، ولو كان ذاك النص وحيدا فريدا [2] 0

... ولم يوضح البصريون مرادهم بالكثرة ، أهي الكثرة العددية بين أفراد القبيلة الواحدة أم القبائل جمعاء ؟ ، أهي الكثرة النسبية القائمة على الاستقراء التام والعدد ، واستخراج النسبة ؟ فإذا كانت الأولى ، فما حدها ؟ أهي ثلاثة أم خمسة أم عشرة أم ماذا ؟ وإذا كانت الثانية ، فما نسبة الكثير ؟ وهل يمكن إجراء النسبة في كل ظاهرة لغوية ؟ وهل يدّعي البصريون أنهم استخرجوا النسبة في أية قاعدة نحوية استخلصوها ، وليس أدلّ على غموض هذا المصطلح عند البصريين من تخبط بعضهم في شرحه ، وفي اختلافهم في كثير من الأحكام بعضهم عن بعض من حيث القياسية والسماعية [3] 0

(1) طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين ، ص 17

(2) من أسرار اللغة ، ص 24

(3) البحث اللغوي عند العرب ، ص 112 ـ 113

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت