... من هنا كثر القول عن النحو العربي ، يراه بعضهم عربيا قد نبت عند العرب ، كما تنبت الشجرة في أرضها ، ويراه آخرون نقلا عن الهنود ، أو اليونان ، أو السريان ، بيد أن أوائل علم اللغة العربية ستبقى دائما محوطة بالغموض والظلام ، كما يرى بروكلمان [1] ،
وإننا نؤثر أن لا تبحث العلوم عند العرب في سياق الأصالة وعدمها ، بل في إطار التملك 0
... ولا يكاد الحديث عن نشأة النحو العربي يخلو من الحديث عن الأسباب التي كانت وراء هذه النشأة ، وتكاد كلها تتركز في قضية اللحن ، الذي رآه القدماء خطرا على العربية ، وعلى القرآن الكريم ، وهو رأي له ما يؤيده من روايات التاريخ ، على ما فيها من تناقض واضطراب ، غير أنّ اللحن وحده لا يفسر نشأة النحو ، وبخاصة على أول صورة وصل بها إلينا ـ وأعني بها كتاب سيبويه ـ والأقرب عندنا أنّ النحو شأن العلوم
ـ 6 ـ
الإسلامية الأخرى ، نشأ لفهم القرآن الكريم ، والبون شاسع بين محاربة اللحن ، وإرادة الفهم ، ويبدو أنّ ارتباط الدرس اللغوي بالكتب المقدسة كان أمرا قديما ، أو هو أمر يرجع إلى طبيعة الأشياء ، فقد عُرف عن النحو الهندي أنه نشأ في خدمة الفيدا ، وأنه اكتسب من الدين قداسته واحترامه 0
... ولعلنا نسرع فنقرر أنّ النحو العربي نشأ وتطور في مُناخ إسلاميّ عام ، وأنه ظلّ يتنفس جوه حتى استوت له وسائله ومناهجه ، وقررنا أنه مناخ إسلامي عام ، دون أن نصفه بأنه مناخ خاص أو محض ، حتى لا نسقط في شرك الأصالة والتقليد ، وأنّ هذا المناخ الإسلامي العام هو الذي أنتج علوما إسلامية ، تشاركت في النشأة ، وتساهمت في أسباب التطور ، وفي وجوه التأثير والتأثر 0
(1) تاريخ الأدب العربي 2/123