... لقد نشأ النحو العربي كما نشأت العلوم الأخرى وتطورت ، أمدته القراءات بالنقل والاعتماد على الرواية ، وأمدته علوم الأصول والكلام بالطابع العقلي ، الذي جعله لا يتوقف عند ظواهر اللغة توقف الوصف المباشر ، وإنما يتعداه إلى تفسير هذه الظواهر تفسيرا عقليا ، يوصله إلى القوانين المطردة ، التي يرونها فيما وراء الاستعمال اللغوي 0
... وخلاصة القول: إنّ المنهج النحوي ، لم يكن نقلا محضا ، ولم يكن عقلا محضا ، من هنا كانت الدعوة إلى تلمس مصادر هذا المنهج في داخل البيئة الاسلامية ، وليس في خارجها [1] 0
ـ 7 ـ
ب
... 000 ولكن ، لماذا يتجه الحاضر نحو الماضي ؟ ولماذا دراسة التراث النحوي ؟
نقول: إنّ عملية بعث التراث ودراسته ضرورة موضوعية ملحّة ؛ لأنها عملية كشف الإنسان في الإنسان ، وتقييم اللاحق للسابق ، وبهذا العمل يمكن أن تكتمل المثل الفكرية لعبقرية الأمم وشخصيتها الحضارية ، وتبقي على نقاء تلك القيم في حاضر أحوج ما يكون إلى القيم ، وبهذا أيضا يرتبط شرف الحاضر بشرف الماضي ، ويتحقق النصر على الجانب المادي للتراث 0
... إنّ دعاة التطور في عالمنا العربي يتفقون على ضرورة تحديث العقل العربي ومعاصرته ، فعلينا أن نكون معاصرين ، شرط أن نكون أصيلين ، فالمعاصرة لا تعني أبدا انقطاع الجذور ، كما أنّ استيعابها لا يعني التفريط بتراثنا الثقافي العظيم 0
... أمّا لماذا علم النحو بالذات من بين سائر العلوم اللغوية ؟ فنقول: إنه لمّا كانت اللغة ضرورة من ضرورات الفكر ، باعتبارها أداة لتوصيل الأفكار ، فالنحو ميزان اللغة ، وضابط لها ، ولولاه لكانت اللغة اعتباطية ، لا تقدر على أداء رسالتها0
(1) انظر في ذلك: عبده الراجحي ، النحو العربي والدرس الحديث ، ص 19 ـ 20