الصفحة 4 من 266

... لقد عني الباحثون المعاصرون بتاريخ الأدب أكثر من عنايتهم بالنحو ، فمنذ القرن العشرين حتى اليوم ، ظهر من الكتب في الحقل الأول ما لا يكاد يحصر في عدد ، على حين لم يبذل في الميدان الثاني ما يمكن أن يكون ذا غناء ، فلمّا رأينا عزوف الدارسين عن مثل هذه الدراسة ، ندبنا نفسنا لدراسة هذا الموضوع ، إيمانا منا بترك المطروق ، وطرق المتروك ، ولعشقنا النحو منذ الصغر ، فانتظمنا بحذر واستحياء في صفوف أولئك الذين احصروا في سبيل خدمة العربية وتراثها ، وانقطعوا لهذه الغاية ، إرضاء لوجدانهم ، وزلفى من أشرف هدف وأسماه ، فكانت محاولتنا هذه عملا متواضعا ، حاولنا التقرب فيه من طاقة كريمة من طاقاتنا الفكرية ، وأن نقف عند بعض نتاجها ، وفاء لوفاء أحد الرجال المخلصين للعربية ، وهو أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء إمام الدراسات النحوية في المدرسة الكوفية في القرن الثاني الهجري بدون منازع 0

... ولكن ، لماذا الفراء بالذات ؟ نقول: إنّ أول صلة لنا بأبي زكريا كانت في هذه الآراء التي يذكرها له النحاة في مختلف المسائل النحوية ، مبثوثة في كتبهم هنا وهناك ، ولم تكن هذه الآراء حين ذاك تثير فينا الاهتمام ، وإنْ كانت تومئ إلى تفرد الفراء بالرأي في هذه المسائل في كثرة ظاهرة 0

ـ 8 ـ

... وسارت الأيام خفافا أو ثقالا وشخصية الفراء ماثلة أمام نظرنا ، وفي خاطرنا ، والزمن يزيدها عندنا إجلالا وتوقيرا وقدرا ، وأحسسنا أنّ دَينًا في عنقنا يزداد ثقله كلمّا تأكدت الصلة بيننا وبين الرجل ، ولم يكن لهذا الدين من وفاء إلاّ أن نجعل الشيخ موضع دراسة علمية ، من أجل ذلكم ، ومن أجل التمرس الخالص بالبحث العلمي ـ وهو في ذاته هدف نبيل ـ أحببنا أن نلقي بدلونا بين الدلاء ، وأن نؤدي بعض الحق نحو رجل من رجالات العلم ، فنجلي شخصيته ، ونتعرّف مكانته بين السالفين والخالفين والعلماء من طبقته المعاصرين في النحو 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت