فهرس الكتاب
وإذا كان من يسمع الإقامة يؤمر بالسكينة والوقار فالذي يتقدم من باب أولى أن يؤمر بالسكينة والوقار؛ لأنه يدرك الصلاة وليس في حاجة إلى الاستعجال إلى الصلاة؛ لأنه معه وقت يمكن أن يدرك الصلاة فيها، ففي كلا الحالين عليه السكينة والوقار، ولو أنه أقيمت الصلاة.
والسكينة تكون في الحركات، بمعنى أنه لا يعبث بيديه أو بجسمه أو بثيابه إلا من حاجة، فإذا استعمل شيئًا وحرك شيئًا من حاجة فلا بأس؛ لأنه في الحقيقة كما جاء في الرواية في صحيح مسلم:"إن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فإنه في صلاة"فبيّن أنه من كان قاصدًا إلى الصلاة هو في صلاة، فلا يناسبه عدم السكينة بكثرة الحركة.
والوقار يكون في الهيئة، وهو غض البصر وعدم الالتفات، فمأمور بالطمأنينة في حركاته بجوارحه، وفي بصره بأن يكون إلى طريقه ولا يكثر الالتفات؛ ليناسب ما قصد إليه وما سار إليه من هذه العبادة العظيمة، وما جاء من الفضل فيمن يسير إلى الصلاة: خطوتاه إحداهما تحط سيئة ويرفع له درجة بها؛ فلهذا عليه السكينة والوقار.
"ولا تسرعوا"ثم أكد وبيّن أنه لا يسرع بل يمشي بالطمأنينة؛ ولأن الإسراع ربما كان فيه اتساع في الخطا، والمصلي كلما كثرت خطاه كلما كثرت درجاته التي تكتب له، وتحط عنه سيئاته أيضًا، وإن كان لا يؤمر بأن يقارب الخطا، بل يمشي على طبيعته، لكن لا يسرع"فما أدركتم فصلوا"وهذا في قوله:"فما أدركتم فصلوا"فيه شاهد لقول الجمهور: أن من جاء والمصلون على حالة فإنه يصلي معهم، ولو كانوا في آخر الصلاة. ويدل عليه أيضًا أنه لو جاءه وهو وساجد يسجد معه، وهو راكع يركع معه، وهو جالس يجلس معه، وإن وجده يتشهد ولو كان التشهد الأخير فإنه يجلس معه؛ لعموم هذا الحديث. وهو قول الجمهور، خلافًا لمن قال: إنه إذا كان في التشهد الأخير، وكان يرجو جماعة فإنه ينتظر حتى يصلي مع الجماعة، وعموم الحديث يخالفه.
وما جاء من الإدراك -في إدراك الركعة- فالمراد به إدراك الصلاة، فمن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة؛ لأن الإدراك أنواع: منه إدراك الصلاة، وإدراك الوقت، وإدراك الجماعة. ثلاثة أنواع.