الصفحة 140 من 1778

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى: {* تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [1] قالت: فقلت: لا أرى ربك إلا يسارع في هواك، يعني: في رضاك، وكله رواه البخاري في الواهبات، وفي قَسْمه بين نسائه.

واختُلف هل هذه الآية في الواهبات، يعني ترجي تقبل من وهبت نفسها، وإن شئت لا تقبل وتؤخر، مع أنه لم يأت أن امرأة وهبت نفسها فقبلها -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في الأخبار، كما في حديث أبي العباس سهل بن سعد تلك التي وهبت نفسها له عليه الصلاة والسلام.

والأظهر أن هذه الآية شاملة للواهبات، إن شاء قبل من وهبت نفسها وإن شاء لم يقبلها، يعني إن شاء تزوجها، وإن شاء لم يتزوجها، وكذلك أيضا في قسمه بين نسائه. هذا هو الأصل إذا جاءت الأدلة دالة على أنه نزل في هذا وفي هذا، فالأصل أن يكون عاما في الجميع، ولا تعارض النصوص بعضها البعض، وهذا مسلك جيد حسن يسلكه كثير من أهل العلم، ولا استنكار فيه، وهو موافق للأدلة؛ لأنها ذكرت وذكرت هذا رضي الله عنها.

فعلى هذا يكون القسم ليس واجبا على إيضاح الأدلة، وما جاء من الأدلة إنما يدل على أنه كان يقسم إما أن يكون قبل نزول هذه الآية، ثم لما نزلت فالأمر إليه بالخيار، وإما أن يكون ولو بعد هذه الآية، ولهذا ثبت في الصحيحين أنه -عليه الصلاة والسلام-"كان يستأذن نساءه لما مرض وكان يقول: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟"يقول -عليه الصلاة والسلام- حتى استأذنهن أن يكون في بيت عائشة -عليه الصلاة والسلام- فأذنّ له ورضين، لكن هذا كما قال جمع من أهل العلم محمول منه على حسن التلطف والكرم منه -عليه الصلاة والسلام- ولهذا قال: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ} [2] إذا علمن أن القسم ليس واجبا عليك، وإن شئت قسمت لهذه أكثر، وإن شئت قسمت لهذه أكثر، وأن هذا ليس واجبا عليه؛ ولهذا قالت سودة ما قالت وهبت نفسها؛ لأنها علمت أنه إن شاء قسم لهذه وإن شاء قسم لهذه، فإذا علمن أن القسم تكرم منك فإن هذا ينفي من نفوسهن النفرة والوحشة من بعضهن لبعض، ويعلمن أن ما يأتي إحداهن من مبيته هو تكرم وتلطف، وليس حقا واجبا عليه، فيرضين بما آتيتهن، ولا يحزن، ويحصل منهن المودة لبعضهن

(1) - سورة الأحزاب آية: 51.

(2) - سورة الأحزاب آية: 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت