فهرس الكتاب
لكن يشكل عليه أن في خبر ابن عباس: أنه أهل بعدما فرغ من صلاته، وهذا مخالف للأخبار الصحيحة، وأنه لم يهل -عليه الصلاة والسلام- إلا بعدما ركب راحلته، وهذا هو السنة.
قال ابن عمر -رضي الله عنهما-:"بيداؤكم التي تكذبون فيها على رسول الله - ما أهل رسول الله- - -إلا من عند الشجرة"-يعني-: من عند المسجد، والمراد في قوله:"تكذبون": يعني: تقولون بالخطأ، لأن من قال قولا خلاف الواقع فهو كذب، وإن كان مجتهدا؛ فإذا أخبر الإنسان بأمر، أو بحكم من الأحكام، وكان خلاف الواقع؛ لا بأس.
والكذب عند أهل السنة لا يشترط فيه القصد، بل يكفي فيه أنه خلاف الواقع: فلو قيل: كذب فلان. يعني: أخبر بخلاف الواقع؛ فلا بأس، ومنه: كذب أبو محمد، ومنه: كذب أبو السنابل، وفي أخبار عدة أنه -عليه الصلاة والسلام- قال:"كذب فلان"بمعنى: أنه أخبر بخلاف الواقع.
فقوله:"تكذبون فيه"أي: تخبرون بخلاف الواقع؛ ولهذا فالموضع الذي أحرم فيه -عليه الصلاة والسلام-: بعدما ركب راحلته، وليس بعدما صلى، أو بعد الفراغ من الصلاة.
ولعل هذا -والله أعلم- لأنه فيه الحزم، ولأن الإنسان ربما أسرع -مثلا - في إحرامه بعد الصلاة، قبل أن يركب سيارته -مثلا- أو مركوبه، فيتذكر شيئا بعد إحرامه، ويكون قد أحرم؛ فالحزم هو: أن يفعل هكذا، كما فعل -عليه الصلاة والسلام-، وهو أحوط أيضا.
وليس للإحرام سنة تخصه على الصحيح، إنما أحرم -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه وافقته صلاة الظهر، وأحرم عقب صلاة الظهر، وأحرم حينما استوت راحلته بعدما صلى الظهر، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه خلافا للجمهور.
وفي صحيح البخاري عن عمر - رضي الله عنه -"أنه -عليه الصلاة والسلام- جاءه جبريل، فقال له: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة"والمراد بالصلاة في هذا الوادي المبارك: هي الصلاة التي صلاها، وهي صلاة الظهر.