فهرس الكتاب
إذا كانت عائشة تقول: إننا نغطي وجوهنا في حال الإحرام، إذا مر بهن الرجال؛ فهذا من أدلة وجوب تغطية الوجه؛ ولأن المرأة إذا كانت وحدها، أو مع النساء تكشف وجهها، فكونها تغطي وجهها، مع مرور الرجال، يدل على أنه: أمر متعين متأكد، كما سبقت الإشارة إليه، المقصود أنها تلبس ما شاءت إلا هذين النوعين.
حديث ابن عمر قال:"إلا أحد لا يجد نعلين؛ فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين."هذا فيه: أنه إذا لم يجد النعلين يلبس الخفين، قال:"وليقطعهما، حتى يكونا أسفل من الكعبين"، هذا حديث ابن عمر، كان في المدينة قبل الحج، قبل أن يسافر، وقبل أن يحرم -عليه الصلاة والسلام-.
ثم في الصحيحين -في حديث ابن عباس:"أنه خطبهم بعرفة -عليه الصلاة والسلام- وقال: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويلات."ولم يأمرهم بالقطع -عليه الصلاة والسلام-.
اختلف العلماء في هذا: منهم من حمل المطلق في حديث ابن عباس على المقيد في حديث ابن عمر، والصواب: أنه لا يحمل المطلق هنا على المقيد في حديث ابن عمر؛ لأن القاعدة في حمل المطلق على المقيد: ألا يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
لأنه -عليه الصلاة والسلام- خطبهم في عرفة، وكان معه جمع عظيم ممن جاء من سائر الأرض، يريدون الحج معه، ممن لم يحضر معه بالمدينة، ولم يسمع منه أنه أمر بالقطع، فقال لهم:"البسوا الخفين إذا لم تجدوا النعلين، والبسوا السراويلات إذا لم تجدوا الأزر"، ولم يقل لهم:"اقطعوا". مع أنه لم يبلغهم ذاك الحكم؛ فكيف يحيلهم على أمر لم يعلموه؟
فيلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإذا لزم من تقييد المطلق تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فإنه لا يجوز تقييده به، بل الظاهر أن حديث ابن عباس ناسخ لحديث ابن عمر، وأنه إذا لم يجد النعال، أو وجدها، ولكن لم يجد ثمنها، فإنه يلبس الخفين، ولو كانت مجاوزة للكعبين، ويلبس السراويلات.