فهرس الكتاب
ولهذا لو أنه صلى الظهر والعصر جمع تقديم فإن الحكم ينتقل إلى صلاة العصر، ويبدأ وقت النهي من حينه، ولو كان وقت الظهر في حق غيره لم يخرج، مثل أن كان مريضا، جمع الظهر والعصر والناس لازالوا حتى الآن لم يصلوا العصر، فإن وقت النهي يدخل في حقه بعد صلاته للعصر مباشرة، فانتقل الحكم.
أما ما يتعلق بذاك الخبر: فهذا الخبر وهو:"أنه من غربت عليه الشمس ولم يطف فهو يعود محرما"، فهذا الخبر فيه كلام معروف لأهل العلم، وهو من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، ومن طريق محمد بن إسحاق، واختلف في هذا الخبر، وأكثرهم ضعفوه، وجاء له شاهد عند الطحاوي ومنهم من أثبته، وصححه بعض أهل العلم.
لكن الأظهر أنه شاذ عندهم، وأنه مخالف لما في الصحيحين من: أنه إذا تحلل لا يعود حراما؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-:"كنت أطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -لإحرامه قبل أن يحرم"أثبتت أنه إذا تحلل فإنه يكون تحلل التحلل الأول؛ فكيف يعود محرما بعدما تحلل؟
وهذا الخبر -لو صح- أوَّلَه بعض أهل العلم على أنه: عليه أن يلبس الإحرام لأجل أن يتشبه بالمحرمين، لا أنه يلبس الإحرام لأنه عاد حراما؛ لأنه قد تحلل، وجاز له لبس الثياب، ولبس المخيط، ولبس الطيب؛ فكيف يعود حراما؟ وهذا شيء غريب في مناسك الحج من جهة إذنه -عليه الصلاة والسلام-.
ومعلوم أن كثيرا من الناس كانوا يسألونه؛ فيقول: افعل ولا حرج، وكثير من الناس -فيما يظهر والله أعلم- قد لا يتيسر له ذلك، ولم يأمر بشيء من هذا إلا ما جاء في هذا الخبر الذي اختلف فيه مع ضعف سنده.
فهو -إن صح- محمول على أنه يتشبه بالمحرمين من جهة أنه يلبس ثياب الإحرام؛ لأنه لا زال ممنوعا من النساء. فقد يكون -مثلا- مع الطيب، ومع لبس الثياب ينسى الطواف، ويكون بعيد العهد بأهله، فربما وقع في الحرام وجامع؛ فلهذا يلبس ثياب الإحرام؛ حتى إذا أراد أن يقع في شيء من أمر النساء فهيئة الإحرام تذكره، وإن لم يكن محرما بالفعل.