الصفحة 1553 من 1778

وهذا من عمر - رضي الله عنه - يشير إلى أصل أصيل، وإلى قاعدة عظيمة، وهي التسليم للشرع، والاقتفاء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- والاقتداء به، هذا المقام مقام التسليم، يخاطب الحجر، يقول: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع.

قاله في مثل هذا المقام؛ لأنه إمام في ذلك الوقت - رضي الله عنه - والناس كان كثير منهم قريب عهدهم بالجاهلية، وقريب عهدهم بالأحجار، والأوثان والأصنام، وربما سرى إلى بعض النفوس، أو وقع فيها شيء من تسويل الشيطان، فأراد أن يزيل هذه الشبهة، وأنه حجر لا يضر ولا ينفع، وإنما رأينا رسول الله - يقبله فقبلناه، فأحال على أن الأمر تعبدي، وأنه ليس فيه حكمة معقولة، ولا شك أن تقبيل الحجر تعظيم له وإكرام له؛ لأنه حجر ليس كالأحجار.

ولله - أن يخص من الأعيان، والأزمان والشهور ما شاء بشيء من فضله، فقد خص هذا الحجر بهذا الفضل، وجاء فيه ما جاء من مسه وتقبيله، وقد جاء في الحجر الأسود والركن اليماني، أنهما يحطان الخطايا حطا، وورد أنهما ياقوتتان من ياقوت الجنة، نزلا وهما أشد بياض من الثلج، فسودتهما خطايا بني آدم، وجاء في الخبر: الحجر الأسود من الجنة.

وهي أخبار في بعض إسنادها ضعف، لكن بمجموع طرقها تثبت وتكون قوية، وهذه الأخبار تدل على هذا المعنى، وأن هذا الحجر له فضله وله ميزته، وفيه أنه كما قال - رضي الله عنه - أنه لا يضر ولا ينفع، إنما رأينا رسول الله - يفعل هذا، ولا شك أن الحكمة إن ظهرت فالحمد لله، إن لم تظهر فليس علينا إلا بتسليم.

والشيء قد تظهر حكمته على جهة الإجمال والتفصيل، في بعض أنواع العبادات، وبعض أنواع الشرائع مما شرع الله، في أنواع البيوع والمعاملات، وما شرع في الأمور المتعلقة بالنكاح، وما جاء من الأدلة الدالة على بعض أعمال الخير والبر كالصلة، وما أشبه ذلك، هذا حكمها ظاهرة وواضحة، في إشاعة الخير بين الناس.

وهنالك أشياء لا تظهر حكمتها على الإجمال، ولا تظهر حكمتها على التفصيل، كالصلاة مثلا، وربما بعض مسائل الحج، وهنالك أشياء لا تظهر حكمتها لا إجمالا، ولا تفصيلا، ليس المقام إلا مقام التسليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت