أما بعد:
ـــــــــــــــ
فيقول المصنف ابن حجر -رحمه الله تعالى-: كتاب الجنايات, هذا الكتاب يسميه بعض أهل العلم كتاب الجنايات كما هنا، وبعضهم يسميه كتاب القصاص، ومنهم من يقول: كتاب الدماء، ومنهم من يقول: كتاب الديات، ومنهم من يجعل الديات بابا من كتاب الجنايات، والمعنى واحد.
والجنايات جمع جناية، تشمل الجناية على النفس، والجناية على ما دون النفس كالأطراف ونحوها, وكذلك الجناية على العرض بالقذف وغيره, فكله داخل في باب الجنايات.
حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ذكره المصنف رحمه الله، وذكر الرواية الثانية عن عائشة مبينة موضحة لهذه الرواية.
قوله:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث"وهذا متفق عليه بين أهل العلم أن المسلم من الرجال والنساء من عموم المسلمين أن دمه حرام، ولا يجوز التعرض له، ولا يجوز الاعتداء عليه، إنما يجوز حينما يوجد سبب, إقامة الحد عليه، أو القصاص، أو ما أشبه ذلك، كل هذا بشروطه كما بينه أهل العلم من خلال الأخبار في هذا الباب, فقوله:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث"هذا هو الأصل أن العصمة لدم المرء المسلم كما في هذا الخبر.
(إلا بإحدى ثلاث) بواحدة من ثلاث، (الثيب الزاني) بين في الرواية الثانية عن عائشة -رضي الله عنها-:"زان محصن فيرجم"وأن الثيب يراد به هو المحصن الذي جامع في النكاح الصحيح وهو بالغ عاقل، فهذا هو الذي يحل دمه؛ ولهذا بين أن قتله يكون بالرجم يعني عند ثبوته بشرطه فإذا ثبت ذلك حل دمه.
(والنفس بالنفس) يعني من قتل نفسا متعمدا، وهذا عند جمهور أهل العلم, خص في الرواية الثانية في حديث عائشة -رضي الله عنها-:"رجل يقتل مسلما متعمدا"وشرطه أن يكون القتل تعمدا, أما لو وقع القتل خطأ فإن هذا لا يوجب الدم ولا يريق الدم، وهذا محل اتفاق عند أهل العلم من حيث الجملة مع خلاف في وصف العمد عندهم، ولعل يأتي الإشارة إلى شيء من هذا.