فهرس الكتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حيث قال: طلقت في غير سنة، وراجعت في غير سنة. هكذا ذكره عند أبي داود، ومعلوم أنه قال: إذا ذكر الصحابي -إذا ذكر- السنة، فإنما يريد به سنته -عليه الصلاة والسلام-؛ إذ في ذلك سنته، وهل يريدون إلا سنته؟ ولا يمكن أن يكون الصحابي أراد بذلك سنة أبي بكر، أو سنة عمر، بل أرادوا به سنته عليه الصلاة والسلام.
فالمصنف إما أن يكون عزف عن هذا اللفظ، أو نسيه، أو قصد شيئا آخر، فالأمر ليس كما قال -رحمه الله- هو عند أبي داود قال: طلقت بغير سنة، وراجعت بغير سنة، أشهد على طلاقها ورجعتها.
وذكر المصنف الرواية الثانية عند البيهقي وهي موجودة عند أبي داود بسند أجود من سند البيهقي، يعني هي عند أبي داود وهي أولى، فهي أرفع سندا؛ لأن سند أبي داود أقرب، ثم هي أصح؛ لأنها عند البيهقي من رواية محمد بن سيرين المدني -الإمام المشهور العابد المشهور- عن عمران بن حصين وهو منقطع لم يدركه ولم يسمع منه، لكنه شاهد في الباب، شاهد لرواية مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين، وفيه أنه قال:"فليُشهد الآن."وهذا قد يؤخذ منه أنه لا بأس من الإشهاد ولو بعد الرجعة.
ومنهم من قال: إنه إذا راجع ولم يشهد في حين الإشهاد، يكفي ولا ينفع أن يشهد الآن، لكن ظاهر الخبر أنه يشهد ولو فات الأوان؛ لأن فيه مصلحة؛ ولأنه ربما حصل التجاحد بين الزوجين، فإشهاده فيه حسن، زاد الطبراني:"ويستغفر الله"تنظر هذه الرواية في ثبوتها عند الطبراني، قوله: يستغفر الله. وفي هذا يبين أنه من لم يشهد، فإنه قد أتى أمرا على خلاف السنة، بل ربما يكون أبلغ من ذلك؛ ولهذا قال: يستغفر الله. وإن كان الاستغفار يكون من التقصير بغير ذنب، ولهذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يستغفر ويكثر الاستغفار، والاستغفار مشروع.
وحديث ابن عمر في الصحيحين أنه -عليه الصلاة والسلام- قال:"مره فليراجعها"المصنف -رحمه الله- ذكر هذا الخبر مع حديث عمران بن حصين؛ لأن حديث عمران بن حصين فيه الأمر بالإشهاد، وأن من راجع ولم يشهد، فإنه راجع في غير سنة، حديث ابن عمر أمره أن يراجعها ولم يذكر الشهادة، أو لم يذكر الإشهاد، وهذا تَفَقُّه من المصنف -رحمه الله- في الجمع بين الخبرين حتى ينظر؛ لأن الخبر الأول فيه الأمر بالإشهاد، والثاني ساكت عن الإشهاد، حتى ينظر في الجمع بينهما، أو يبين مثلا أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وكل استدل بدليل، وهذا الخبر استدل به جمهور أهل العلم أن الإشهاد ليس بواجب؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يشهد.