الصفحة 211 من 1778

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هذه كفارة الظهار مرتبة ثلاثا، مثلثة مركبة من هذه الأشياء الثلاثة على جهة الترتيب، كما هو ظاهر القرآن وكما هو أيضا ظاهر السنة، حينما أمره -عليه الصلاة والسلام- كما سيأتي في حديث سلمة بن صخر، ثم قوله:"لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به"هل هو شامل لأنواع الكفارة كلها أو هو خاص بعتق الرقبة والصوم؟ ذهب جمع من أهل العلم أنه إذا كان لا يجد الرقبة أو لا يجد ثمنها ولا يستطيع الصوم فله أن يواقعها ولو لم يطعم إذا كان الواجب عليه الإطعام؛ لأنه لم يقيد في الآية قبل المسيس، إنما قيد قبل المسيس في عتق الرقبة وفي صوم شهرين متتابعين: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [1] من قبل أن يتماسا في صوم الشهرين ومن قبل أن يتماسا في عتق الرقبة.

ولما ذكر -سبحانه وتعالى- الإطعام لم يذكر المماسة ولم يقل: قبل أن يتماسا، فأطلق، فقالوا: إن هذا يدل على أنه لا بأس به إذا وقع المسيس قبل الإطعام؛ لأن الله قال: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [2] فأطلق وهذا قول كثير من أهل العلم، وقيل: إنه لا بد أن يكون ذلك قبل المسيس في الثلاثة كلها، كما هو في عتق الرقبة، وكما هو في صوم الشهرين، واستدلوا بهذا الحديث، حديث ابن عباس:"لا تقربها"وهذا هو الأظهر أنه لا يجوز له أن يمسها حتى يطعم لظاهر القرآن، وأنه مبين، وكأنه -والله أعلم- أنه اكتفى بذكر عدم المسيس في الأولى وفي الثانية.

وربما تقتضي بلاغة القرآن ألا يتكرر مثل هذا، ألا يتكرر ذكر عدم المسيس، حينما ذكره في المرة الأولى وذكره في المرة الثانية اقتضت بلاغة القرآن ألا يذكر المرة الثالثة وأنه يفهم من دلالتها، وأيضا من جهة المعنى إذا كان نهي عن المسيس قبل عتق الرقبة حتى يعتق، ونهي أن يمسها حتى يعتق، ثم نهي أن يمسها إذا لم يعتق حتى يصوم، مع أن العتق والصوم أشد وأبلغ من الإطعام، فكونه في الأيسر وهو الإطعام الذي يتيسر، أو أن مدته أقل، يعني: الإطعام ممكن أن يطعم في مدة يسيرة، أما العتق في الغالب ممكن أنه لا يجدها، ولو وجدها قد لا يجد، يعني: من جهة ثمنها، وربما كان له حاجة فيها فإذا تعلقت حاجته بها فإنه لا يلزمه ذلك، فإذا كان هذا في الأشد في باب الكفارة فإنه في الأيسر من باب أولى أنه لا يفعل حتى يكفر.

(1) - سورة المجادلة آية: 3 - 4.

(2) - سورة المجادلة آية: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت