الصفحة 365 من 1778

وعلى جميع هذه التفاسير فإنه من البيوع المحرمة، فهو بعقد محرم باطل لا يجوز، ولهذا جاء بعد ذلك بكلمة عامة -عليه الصلاة والسلام- قال:"ونهى عن بيع الغرر"ولأن هذا في الحقيقة يفضي إلى النزاع، والبيع لا بد فيه من التراضي، من شروطه التراضي، وفي الغالب أن هذا يحصل به النزاع كما قال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [1] وقال -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان وغيره:"إنما البيع عن تراض"وفي لفظ عند ابن ماجه وغيره:"لا يتفرقن إلا عن تراض".

يعني: أنه لا بد من التراضي، فهو شرط من شروط البيع، وهذا في الغالب ينافي التراضي، ثم لا بد في البيع من العلم؛ لأنه يتحصل به الرضا، فما لم يُعْلَم فإنه لا يتأتى فيه الرضا؛ ولهذا كان الصحيح في مسألة البيع أنه يحصل بكل صيغة دلت على البيع، كل إثبات فهو إيجاب، وكل قبول مهما كانت صيغته ومهما كانت صفته، يعني كل إثبات فهو إيجاب، وكل التزام فهو قبول، كل إثبات للبيع فهو إيجاب له، وكل التزام من جهة المشتري فهو قبول.

ولا يشترط على الصحيح صيغة معينة، وهو ما ذكروه في الصيغ، وهو أنهم خصوا الإيجاب وجعلوا للبيع صيغتين: الإيجاب والقبول، والمعاطاة صيغة قولية وصيغة فعلية، وأن الصيغة القولية بأن تكون بألفاظ مخصوصة بأن يقول: بعتك، ويقول: اشتريت .. أو نحو هذه العبارات التي ذكروها.

والصحيح أنه لا يشترط شيء من هذا، بل كل ما دل على إثبات البيع من البائع والتزامه من المشتري فإنه يكون بيعا؛ لأن المقصود هو التراضي وما حصل به التراضي فإنه يكفي، وسواء كان صيغة قولية أم صيغة فعلية؛ وذلك أن البيع الأصل فيه أنه من العقود الجائزة المباحة التي تجوز بأي شيء، وكذلك لأنهم كانوا يتبايعون أنواعا من البيعات، ولم يأتِ نص منه -عليه الصلاة والسلام- بأمرهم بصيغة معينة.

وكذلك لأن الناس يختلف أمرهم في البيع والشراء؛ فلكل قوم عادة ولكل قوم صيغة، وكذلك لأن الأمور نوعان: أمور عبادية تشريعية لا تجوز إلا بدليل، وأمور من أبواب العادات والمباحات، فالأصل فيها

(1) - سورة النساء آية: 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت