فهرس الكتاب
فلهذا قالوا: إنه يخصص، ومن نظر إلى عموم المعنى ونظر إلى عموم العلة مطلقا وقال: إن هذه السلعة وإن كانت يسيرة قد يكون تلقي هذا الرجل فيه منعا لغيره من الناس من الشراء منه، فالمقصود أن هذا دائر على المعنى؛ فلهذا قال عليه الصلاة والسلام"لا تلقوا الجلب".
وثم هذا الخبر في اللفظ الآخر عام، سواء كان الذي قدم من البادية أو من الحاضرة، ولهذا قال في اللفظ الآخر"نهى عن بيع الحاضر للبادي"ليس لم يرد به التخصيص من قدم من البادية من قدم بجلب من البادية بسمن أو غنم مثلا، أو كان أو غيره مثلا مما يجلب، بل قال عليه الصلاة والسلام ذكر البادي من باب الغالب، وإلا فلو قدم إنسان مثلا من مدينة إلى مدينة فإن الحكم عام، وإنما خرج على الأغلب؛ لأنه في عهده عليه الصلاة والسلام الأغلب أن الجلب كان يكون من البادية وإلا فالحكم على الصحيح للعموم، كما هو قول جماهير العلماء.
"لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد"كذلك أيضا لا يجوز أن يشتري منه ولا يجوز أن يبيع له لا يجوز أن يبيع له فلو تلقاه للشراء سبق أنه لا يجوز، وأيضا مما يستفاد من قوله:"لا تلقوا الركبان"يعني لا تلقوا الركبان سواء خرج قاصدا أو لم يخرج.
ولو أن إنسان مثلا خرج من بيته مثلا لم يقصد تلقي ركبان، وواجه في طريقه من يريد البيع يُنهى، لو قال: أنا ما خرجت من البيت بقصد أن أتلقى من يبيع ممن يقدم. فنقول ولو كان؛ لأنه نهى مطلقا، وأيضا مما ينبغي التنبيه إليه إذا كان الذي قدم إلى البلد لا يريد أن يقصد السوق، كما يفعل كثير من الناس يقدم مثلا بجلب ويريد أن يبيعها في أي مكان، فيقف في أقرب شارع أو في أقرب مكان ويبيع، هذا لا ينهى عنه؛ لأنه لم يقصد أن يعرضها في السوق، بل قصد أن يبيع لأول من يريد أن يشتريها، كما يقع لكثير ممن يريد عرض السلعة، فإنه يريد أن يبيعها ممن تيسر، فمثل هذا غير داخل في النهي ما دام أنه يريد أن يبيعها لمن يريد شراءها، ولم يقصد السوق فلا بأس بذلك، إذا لا يكون النهي واردا إلى للسلع التي يقصد بها إلى السوق الذي يتبايع به الناس.
"ولا يبع حاضر لباد"كذلك أيضا لا يبيع الحاضر لباد بمعنى ألا يكون له سمسار دلّال، والعلة كما سبق في النهي عن تلقي الركبان العلة واحدة؛ لأن الراكب أو من يقدم من خارج البلد يأتي بالسلعة يبيعها لمن يتيسر، في الغالب أنه لا يكون من أهل البلد، ويريد أن يبيع ويمشي، ما يريد يتربص بها وينتظر بها السوق لا، يريد أن يبيع ويمشي.
لكن السمسار والدلال ـ هذا أول أنه يغريه بالثمن ثم أيضا يتربص يقول: دعها عندي أبيعها لك. وينتظر بها أيام فيمنع الناس منها، فلو ترك هذا الذي جلبها لكان فيه مصلحة للبائع ومصلحة لعموم الناس، فهذا يبيع ما معه من متاع ويذهب، والناس يشترون منه؛ لأنه لا يريد أن يتضرب بالسعر؛ فلهذا قال:"دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
والصحيح أنه منع مطلقا سواء كان بأجرة أو كان متبرعا، وقال أنا متبرع أنا ناصح، والرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالمناصحة، قال:"الدين النصيحة"وقال:"إذا استنصح أحدكم وقال فلينصح"نقول النصيحة واسعة فلم تضيق النصيحة في أن تبيع له، وبأن نصيحتك هذه في الحقيقة تتضمن الضرر على عموم المسلمين، وما كان فيه مصلحة ومفسدة، ومفسدته أغلب؛ فإنه يُنهى عنه.
وهو إن كان فيه مصلحة لكان الشارع راعى المصالح العامة قدّمها على المصالح الخاصة، فأنت تراعي مصلحة خاصة، وهي نفع هذا البائع في سبيل مفسدة العامة لعموم الناس الذين يريدون أن يستفيدوا، فدفع المصلحة الخاصة في سبيل تحصيل المصلحة العامة. فعلى هذا ولهذا قال:"ولا يبع حاضر لباد"ابن عباس سئل عن قول"لا يبع حاضر لباد"قال: لا يكون له سمسارا.
تلقي الجلب
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -"لا تلقوا الجلب، فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار"رواه مسلم.
هذا في معنى ما تقدم"لا تلقوا الجلب"الجلب معناه المجلوب، هذا معنى الجلب يعني ما يجلب منه، فإذا تلقاه إنسان، تلقى الجلب واشترى منه، ثم بعد ذلك قدم السوق نقول أولا: لا يجوز تلقي الجلب كما