فهرس الكتاب
والشارع الحكيم يسد الذرائع والطرق المفضية إلى الأمور المحرمة ويبطلها، كما أنه يقرر الطرق التي تقضي إلى الأمور المستحبة بل يشرعها والواجبة، ويبيح الطرق ويحل الطرق التي تقضي إلى الأمور المباحة، وهذا مبني على الأحكام التكليفية الخمسة فما كان مفضيا إلى واجب فهو واجب أو وسيلة إليه، وما كان وسيلة إلى مستحب فهو مستحب، وما كان وسيلة إلى مباح فهو مباح، وما كان وسيلة إلى مكروه فهو مكروه، وما كان وسيلة إلى محرم فهو محرم.
فالذريعة لها حكم المتوسل إليه حكم واحد هذا من حيث الأصل، لكن تحريم المقصود أشد من تحريم الوسيلة، مثلا من سار في طريقه قاصدا أمرا محرما لأجل شرب الخمر، مجلس فيه الخمر أو لأجل قطع الطريق، فالسير هذا محرم، وفعله شرب الخمر أو الزنا محرم، لكن نفس الخمر إثمها أشد من إثمه في سيره؛ لأن هذه الذريعة التحريم، والتحريم وسيلة وطريقة وذاك تحريمه التحريم قصد، وما كان محرما بالقصد أشد مما كان محرما بالوسيلة، وهكذا الأجر والثواب المترتب على الذريعة والوسيلة التي تكون إلى واجب ومستحب، فإن المقصود يكون أعظم أجرا من الوسيلة المتخذة إليه.
وهذا مسألة أخرى: الشارع الحكيم لا يمنع الذرائع المتوهمة فإذا كانت هناك شيء يمكن أن يكون ذريعة إلى محرم لكنه بعيد في العادة مثل بيع العنب مثلا الأصل كما قلنا حلال مباح، فإذا علم أنه يتخذه المشتري لأن يعصره خمرا حرم، أو نوى هو ذلك حرم بالنية؛ لأن هذا تحريم مباشر، لكن لا نقول إنه لا يجوز لك أن تبيع العنب مطلقا على أي إنسان لو أراد أن يشتريه إنسان ما نقول لا تبيعه، فلو قال إنسان: طيب العنب هذا ممكن يتخذ خمرا فعلي أن أسد الباب، نقول: لا هذا يفضي إلى مفاسد كثيرة، والشارع لا ينظر إلى هذه المفاسد المتوهمة التي قد تقع وقد لا تقع، وما في ظني تحليل بيعه من المصالح مثل بيع السلاح حلال وجائز، بل قد يكون مشروعا، وقد يكون واجبا في بعض الأحيان في قتال أعداء الله، لكن من باعه في أيام الفتنة أو باعه لأجل إيذاء مسلم أو قتل مسلم حرم ذلك وكان إثمه بحسب ذلك؛ ولهذا يختلف بيعه من وقت إلى وقت.