فهرس الكتاب
أما الهدية من الأدنى إلى الأعلى، فيراد بها وجه صاحبها الذي يعطى، وفي الغالب أنه لا يراد بها وجه الله، وإنما يراد بها وجه صاحبها، والتقرب إلى هذا الرجل بأنه يريد أن يتقرب إليه بهذه الهدية؛ حتى يعطيه أكثر منها، يعني في أمر مباح، ولا بأس به. وقد تكون الهدية من المساوي للمساوي، وهذه الهدية تكون بين الإخوان وبين المتحابين، ويقصد بها مزيد الألفة ومزيد المحبة والمودة، فهذه أيضا يشرع الإثابة عليها، أما تلك الهدية ... من الأدنى إلى الأعلى، فإنها هدية الثواب، ومن لم يرد الثواب فلا يقبل الهدية، من لم يرد أن يرد هذه الهدية ممن يرجى أن يعطي أكثر، فلا يقبل تلك الهدية.
العمرى والرقبى
وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -"العمرى لمن وهبت له"متفق عليه. ولمسلم:"أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه"وفي لفظ:"إنما العمرى التي أجازها رسول الله - هي لك ولعقبك، وأما إذا قال: هي لك ما عشت. فإنها ترجع إلى صاحبها".
ولأبي داود والنسائي:"لا ترقبوا ولا تعمروا، فمن أرقب شيئا أو أعمر شيئا فهو لورثته".
هذا هو الشاهد من قوله: العمرى والرقبى. العمرى والرقبى نوعان من الهدية؛ ولهذا ذكرهما في باب الهدية، والعمرى اختلف العلماء فيها وفي صحتها وفي معناها، والأظهر أنه كما في الخبر أنه نوع من الهدية، وقد تكون مطلقة وقد تكون مقيدة، ومعنى العمرى: أن يقول: وهبتك أو أعطيتك هذا البيت، أو هذه السيارة، أو هذا المتاع لك ما عشت ولك عمرك. يعني: ما دمت حيا، ما دام لك عمر وأنت حي. فهذه هي العمرى.
والرقبى أيضا هي مثلها، وهي أن يقيدها وأن يقول: لك هذه الأرض، أو هذا المال، أو هذا البستان، أو هذه السيارة لك لآخرنا موتا، أو لمن يموت ... إن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك فهي لك. فقيدها"إلى"تقييدا زائدا، وسميت رقبى من المراقبة؛ لأن كل واحدا منهم يرقب الآخر وينتظر وينظر من يموت: هل هو المرقب والمعطي، أو المرقَب وهو المعطى؟ وهي نوع من الهبة، والأظهر أنها من باب الهدايا