المتدبّر للآيات الكريمة من سورة الكهف يستنتج أن الفتية قد فوجئوا من قبِل قومهم ففرّوا، أي لم يكن فرارهم عن تخطيط مسبق، بدليل أنهم لم يحتاطوا فيأخذوا معهم الطعام الذي يلزم في مخبئهم، ويظهر ذلك جليًا في قولهم بعد بعثهم من نومهم: (...فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعامًا...) وإذا صحّ هذا الاستنتاج، فإن ذلك يقودنا إلى القول باحتمال أن يكونوا قد لجأوا إلى مكان معهود لهم. ويعزز هذا الاحتمال استخدام (ال) في كلمة (الكهف) من قوله تعالى: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف) ولم يقل (فأووا إلى كهف) ، فهو كهف معهود، وهو مكان لا يطرقه القوم. فلماذا هو معهود لدى الفتية، وغير مطروق من قبل قومهم ؟! لا يبعد أن يكون النبي الذي آمن به الفتية قد بيّن لهم مكان المسجد الثاني الذي وضع للناس _ الأقصى _ ومن هنا وجدناهم يتردّدون عليه للتعبّد عنده، فكان هو المكان الذي تبادر إلى أذهانهم عندما فروا، لأنه المكان المألوف والمحبوب، ويبدو أنه كان في موضع مهجور، كموضع الكعبة في زمن إبراهيم عليه السلام.
جاء في الآية (21) من سورة الكهف: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتّخذنّ عليهم مسجدًا) فإذا تمّ دفن الفتية في الكهف فما الدّاعي لبناء مسجد فوق كهفهم ؟! ولماذا لم يُبْنَ المسجد بالقرب من الكهف، ليكون الأمر أقرب إلى روح الدين الحق، وحتى لا تشوب عقيدة المؤمنين شائبة تعكّر صفو توحيدهم؟!