فهرس الكتاب
المعرفة والإنكار: يقال: رجل عارف بالشيء ، وله معرفة بالأمر ، إذا كان يميزه من ضده ، وخلافه بالمشاهدة والمعاينة ، ويقال: إن المعرفة جبلة في الخلق ، والعِلم بالاكتساب والتعلُّم ، ومن أجل ذلك اشتركت البهائم ، وسائر الحيوان مع الناس في المعرفة ، وخُصّ الناس بالعلم دون البهائم ، ويقال: سميت بهائم لأنها أُبهِمت عن كل شيء ، إلاّ عن معرفة الله ، فالإنسان يعرف ويعلم ، والبهيمة تعرف ولا تعلم ، لأن الإنسان يكتسب العلم ، والبهيمة لا اكتساب لها ، والبهيمة معرفتها تميز بين الضار والنافع لها في أمر معاشها ، وتتقي المهالك ، وتألف من ينفعها ، وتفرّ ممن يؤذيها ويضرها ، كالشاة تألف / الكلب ، وتفر من الذئب ، وتميز51ب بينهما ، وكالطير يفر من الجوارح ، ويألف اللواقط والبغاث ، فهذا من جهة المعرفة وضد المعرفة الإنكار ، كما أن ضد العلم الجهل، يقال: عرف الشيء وأنكره ، والمعرفة بالشيء هي المشاهدة التي تزيل الشك والمرية ، وهو التمييز بين الشيئين ثم اشتقوا من المعرفة المعروف ، ومن النكرة المُنكر ، فقالوا: يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، فالأمر بالمعروف هو الأخذ بما لا مِرية فيه ، ولا شكّ من أمر الدين ، فهو معرفة لا يحتاج إلى علامة تعرِّف به ، والنهي عن المنكر هو النهي عن التقحّم في الجهالات والشبهات ، التي لا يُعرف حقها من باطلها ، فكل مشتبه المعنى مُنكر ، وكل واضح المعنى معروف ، والمعروف والعُرف لغتان ، وكذلك النُّكر والمُنكر لغتان ، قال النابغة:"من الطويل"
أَبَى اللَهُ إِلّا عَدلَهُ وَوَفاءَهُ فَلا النُّكرُ مَعْروفٌ وَلا العُرْفُ ضائِعُ [1]
(1) ديوانه ، ص 82