وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 71] . فضيق الصدر واضطرابه، وحيرة النفس وعدم استقرار، وتوزع الهموم وتشتت البال موانع الهدى، ويقابل ذلك كله حصول اليقين والعلم والاطمئنان ولا يكون لهذه وجود إلا مع انشرحا الصدر حيث يستقر العلم ويقع اليقين ويحصل الثبات كما قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] .
فشرح الصدر حال علم وعمل، وليس مجرد خير معرفي لا يمتزج مع النفس والحياة والإرادة، والذي وقع لرسوله - صلى الله عليه وسلم - من حال التسليم والرضا والاطمئنان لما يُلقى عليه إنما هو الذي حقق له الانشراح.
الحيرة جهل وقلق، وهي ظلمة تلقى على النفس قيودًا من الخوف والاضطراب فيقع معها الضيق، والعلم النافع نور يذهب الظلمة فيحصل الانشراح والبسط، ويتحقق الاطمئنان، وهذا ما وقع لإبراهيم الخليل عليه السلام حين طلب رؤية كيفية إحياء الموتى وعلل الطلب بقوله: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ، والعلم له حالان؛ حال إيمان ولا يكون هذا الاسم إلا لما هو غيبي، فلا يُقال للمشاهد مؤمن، وإنما يُقال للمصدق بالغيب، وأما الحال الآخر فهو حال مشاهدة بالبصر أو بالبصيرة، وهو حال الاطمئنان، وللمرور إلى حال الاطمئنان لا يكون إلا بالحال الأول، وهي حالة لا تكون إلا بتسليم القلب لمحنة الأقدار والتشريعات، حتى مع كراهة النفس أو عدم فقهها، ويشهد لهذا حديث سبب نزول خواتيم سورة"البقرة"ففيه أنه: (لما نزلت على رسول الله: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] . قال فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوا رسول الله ثم بركوا على الركب. فقالوا: أي رسول الله! كُلفنا من الأعمال ما نطيق. الصلاة والصيام والجهاد والصدقة. وقد أُنزلت عليك هذه الآية. ولا نطيقها. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» . قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم. فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] . فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى. فأنزل الله -عزَّ وجلَّ-: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا