الصفحة 9 من 54

أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [الشعراء: 12 - 14] ، وكذلك وقع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما علم أن قومه سيخرجونه من مكة كما أخبره الرجل الصالح ورقة بن نوفل فقال - صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم؟!» [1] .

ومن المعلوم أن المهمات العظيمة والأسئلة الثقيلة المفاجئة تلقي على النفس ظلال التعب والضيق وتملأ جوانح النفس بالهمم والاضطراب ولذلك فإن مجيء الاطمئنان والعلم يحقق انشراح النفس وانبساطها، وهي حالة تؤدي إلى وعي تام وفهم مستقر، وهو فرح الإيمان والعلم كما قال تعالى في سورة"يونس": {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57، 58] . فهذا هو الفرح الوحيد الممدوح في القرآن وهو فرح المؤمنين بالعلم والاطمئنان كما قال تعالى: {مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ} [يونس: 57] . وأما فرح غيرهم فمذموم، بل هو سبب عذاب الله تعالى عليهم يوم القيامة كما قال تعالى سبحانه في"غافر"مبينًا سبب العذاب عليهم قوله: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر: 75] . وقد بين الله -سبحانه وتعالى- في ختام هذه السورة الفرح الباطل بقوله: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [غافر: 83] . وهو الفرح الباطل.

هذا هو شرح الصدر مع حالة النبوة، حيث يحصل الاطمئنان والعلم، وقد جاء في القرآن بيان الحال المخالف لذلك؛ أي ضيق الصدر والحيرة، وهو يحصل أعظم ما يكون بالشرك، لأن الشرك في بعضه وجوه حيرة كما قال تعالى في سورة"الحج": {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] ، فالشرك إما أن يكون بالحيرة والاضطراب فمقله في هذه الآية في قوله تعالى: {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} ، ومن كان هذا حاله فهو غير مستقر على حال أبدًا، وإما أن يستقر في ظلمه الشرك على حال واحد منه ومثله فيها في قوله تعالى: {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] ، وفي سورة"الأنعام"قال تعالى: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى

(1) صحيح البخاري: 1/ 4/ح 3، صحيح مسلم: 2/ 161/ح 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت