الصفحة 8 من 54

بهذا المطلع من السؤال التقريري المُلقى على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبدأ هذه السورة، وكأن قبلها حوار قائم أو تساؤل في النفس فيهما حاجة لهذا التذكير من النعم، أو كأنه تساؤل يقدم الأرضية التي تحقق الدفع لواجب يتلاءم مع هذه النعم التي يستحقها هذا الواجب، ولمعرفة هذين الأمرين فإن ما يحققها هو معرفة حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الفترة التي يحياها في مكة، وهي مرحلة كان فيها طوفان سؤالات ومشاعر وأحوال تحياها هذه النفس التي فوجئت بهذا الطارئ عليها من الوحي والنبوة.

بمراجعة سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأحواله عند طروء الوحي والنبوة نجد أن ما يشغل نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - هو هذه النبوة التي فوجئت نفسه بها، ولم يكن له - صلى الله عليه وسلم - اطلاع على معارفها أو معانيها من قبل أبدًا والأمر كما قال تعالى في سورة"القصص": {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 86] ، فليس هناك أي وعي لهذه النفس الشريفة أنها تعد لهذا الأمر أو لغير ذلك، ولا هي لها خبرة بتاريخ النبوة وأحوالها، ولذلك لما حصل له الوحي في غار حراء وقع له ما جاء في الحديث التالي من قول الصديقة عائشة -رضي الله عنها-: (كان أول ما بُدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء فكان يلحق بغار حراء فيتحنث فيه -قال والتحنث التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ» . قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. فقال اقرأ. «قلت ما أنا بقارئ» . فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال اقرأ. «قلت ما أنا بقارئ» . فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: 1 - 4] . الآيات إلى قوله: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال «زملوني زملوني» . فزملوه حتى ذهب عنه الروع قال لخديجة: «أي خديجة ما لي، لقد خشيت على نفسي» [1] "."

ثم إن سيرة الرسل ومنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مجيء النبوة والرسالة أن تبدأ النفس باستشعار عظمة المهمة الملقى على كاهلها، فهذا موسى عليه السلام حين أمر بالذهاب إلى فرعون وتبليغه الرسالة يقول لربه: قَالَ رَبِّ إِنِّي

(1) صحيح البخاري: 4/ 1894/ح 4953، 6/ 2561/ح 6982.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت