الصفحة 11 من 54

كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: 286] . «قال: نعم» {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] . «قال: نعم» {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] . (قال: نعم) {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] . «قال: نعم» ) [1] .

فقوله:"فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم"دلَّ هذا على المجاهدة لما هو مكروه في النفوس، وكذلك عدم إدراك المقصود، وهذا هو ابتلاء العلم. وأما ابتلاء القدرة فهو أشد للداعي والعامل [2] ، إذ تمر الأقدار الكثيرة عليه وهو لا يفهم وجهها، وتغيب عنه عاقبتها كحال كل ابتلاء، وهو من جنس ما وقع للصحابة في الحديبية حيث غاب عنهم معناها حتى سمى الله ما وقع فيها"فتحًا"، وقد وقع من كبارهم كالفاروق -رضي الله عنه- من القول والحال ما استغفروا الله عليه بعد ذلك فإنه قال:"فعملت لذلك أعمالًا" [3] . وذلك لما كان من مراجعته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر الصلح.

فتمام الاطمئنان يكون باستقرار العلم حالًا، ويدفع العوارض عنه، وهذا لا يكون إلا بالعمل الصالح وديمومته، وبرؤية الأقدار على وجهها من المعاني والإرادات الإلهية، وأولى الناس بهذين الأمرين هما العالم العابد والعامل المجاهد، داعيًا في مقام الدعوة، آمرًا بالمعروف وناهٍ عن المنكر، فكلاهما يعاني مشكلات الوجود؛ العلمية والعملية والله يقول: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22] .

يشغب على هذا المعنى رؤية الجاهل المطمئن، والساكن الآمن، حيث يظن فيهما الانشراح بلا معاناة علم ولا مجاهدة دعوة، وهذا تشغيب لا قيمة له، لأن الجاهل المطمئن والساكن الآمن إنما انماثت إرادته، فقعدت عن المعالي والمعاني، وهذا ليس انشراح صدر، فإن الانشراح الحقيقي لا يكون إلا مع إرادة المعالي والمعاني، حيث ترتاح النفس لهما. أما من يزعم أن خلو الإنسان عن الإرادة والهمة يحقق له الراحة فهذا خروج عن حالة الإيمان

(1) صحيح مسلم: 2/ 199/ح 288.

(2) قال الشيخ حفظه الله للداعي والعامل ولم يقل على الداعي والعامل لأن الابتلاء منحة في نفوس المؤمنين.

(3) صحيح البخاري: 2/ 974/ح 2673

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت