الصفحة 12 من 54

القرآني وذلك في قوله: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» [1] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» [2] .

والقصد أن الانشراح القلبي يكون بالخروج من الظلمات إلى النور، وأعلى الظلم هو الشرك ثم توابعه من المعاصي والفسوق، ثم بالعلم القرآني النافع، وأما للداعي إلى الله فإنما يتحقق باليقين على حكمة الله الله في أقداره، وذلك برؤية أسبابها وآثارها وعواقبها وحكمتها.

فبالعودة إلى الحال الأول الذي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند حصول الوحي هو خوفه من هذا الطارئ وعدم إدراك معناه على وجه الاطمئنان، ثم الخوف من مستقبله مع الناس حيث واجهه ورقة بن نوفل -رضي الله عنه- بما سيلاقيه في هذا السبيل، فالأول علمي والثاني قدري.

فبشرح الصدر دُفِعَ الأمران، وحصل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - القبول القلبي لهذا العلم الوارد، وهذا الطارئ الجديد، وتحقق له معناه بأنه الحق وأنها النبوة، كما حصل له اليقين على دخوله في سِلك السابقين في الأنبياء وأن حاله كحالهم، وما سيكون له إنما جرى للسابقين من إخوانه، فتحقق اجتماع الرضى القلبي مع الحق الوارد، وهذا لَعَمْرُ الله هو تمام الانشراح والبسط، حيث يحصل اجتماع مراد العبد بالرضى مع مراد الرب بالأمر والقدر، وعلى الضد من هذا الشرح الإلهي يقع القبض عن الحق وعدم رضاه، أو البسط إلى الباطل والاستمتاع به، والقرآن في هذا بين في إيضاح الحالات القلبية مع الباطل، فهو يتحدث عن حالين معه؛ أما الأول: فهو الضيق كما قال تعالى -وقد تقدم-: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] ، أو كقوله: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} [الأنعام: 71] ، أو كقوله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} [الحج: 31] . وهذا كله داخل في قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] .

(1) شعب الإيمان: 4/ 334/ح 5312.

(2) المسند: 6/ 438/ح 22360. مسند البزار: 1/ 139/ح 4203. بزيادة:"فإنه أعلى الجنة". وقال: وهذا الحديث قد روي نحو كلامه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه ولا نعلم يُروى عن العرباض إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت