الصفحة 13 من 54

أما الآخر: فهو البسط إلى الباطل والاستمتاع به كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: 128] ، وقوله: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] ، وكقوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108] .

والحال الثاني أعظم ضلالًا من الأول، ولا يكون إلا بالمرور من الحال الأول، وهذا تراه في كبار المجرمين والمشركين وطواغيتهم، فإنهم يستلذون بالباطل ويتمتعون به وتنبسط قلوبهم له، بل قد تظهر لهم أحوال من اللذة النفسية والعقلية ما يجعلهم في حال استغراق بعيد لما هم فيه، وهي لذة تشبه لذة المريض بالجرب حين يهرش جسده منه، وهي لذة مدمن المخدرات التي تقتله حين يأخذها، وهكذا.

وهذا الحال خطير جدًا، إذ قد يصيب كل متبع لباطل حتى لو لم يكن شركًا، فإن قوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108] عام في كل عامل ومتبع، وليس هذا من الشرح الذي يصيب قلوب أهل الحق، لأن هذا التزيين ليس هو الحال الأول الذي يقع به متبع الباطل، بل إن للباطل ظلمة في القلوب، فما أن يقع ابتداءً حتى تنكره النفس للحديث: «والباطل لجلج» ، ولكن مع طول السكوت يحصل الائتلاف والتزيين، وأما متبع الحق فإن ما يقع له من الشرح إنما يكون منذ الدفقة الأولى كما قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] ، وكما قيل:"الحق أبلج"، وهذا يقع لكل مهتد للحق كما في القصص المتواترة في ذلك، ومنها ما وقع للصحابة -رضي الله عنهم- حيث يكثر القول في قصص إسلامهم من تغير وجوههم فيُقال:"رجع بغير الوجه الذي ذهب به" [1] ، وهذا كله يدخل في هذا المعنى.

لكن كيف تكره النفس الحق ولا تنشرح له؟!

اعلم أن كراهية النفس للحق يكون لمعاني متعددة، منها كراهة النفس للتكليف وذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم: «حُفت الجنة بالمكاره» [2] ، ومنها استمراء النفس على الباطل وطول ألفتها له، ولذلك فالعاقل لا يتبع انشراح النفس ابتداءً،

(1) قيلت في أسيد وسعد بن معاذ -رضي الله عنهما- بعد أن عرض عليهما مصعب بن عمير -رضي الله عنه- الإسلام فأسلما، وبسبب إسلام سعد بن معاذ ما أمسى في قومه رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة، إلا رجل واحد -وهو الأصيرم- تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم ذلك اليوم وقاتل وقُتل، ولم يسجد لله سجدة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا» . صحيح البخاري: 3/ 1034/ح 2747.

انظر القصة في كتاب: (الرحيق المختوم) لصفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله تعالى-.

(2) صحيح مسلم: 17/ 138/ح 7079.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت