إنما يتبع الحق حتى لو كرهه، ففي الحديث الذي رواه أحمد [1] عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» قال: إني أجدني كارهًا، قال: «أَسْلِمْ وإن كنت كارهًا» .
وهذا العاقل بعد اتباع الحق والصبر عليه سيجد لذة الانشراح له بعد ذلك.
والنعم قد تُعطى ابتداءً، وقد تُعطى بعد معاناة، وذلك كنعمة القوة، فقد يمن الله بها على عبد مع مولده دون معاناة شديدة منه، وقد يُحصِّلها بعد طول معاناة وتمرين، ولكل واحدة فضلها، أما إن سئل ما الأفضل، فإن ما يُعطى في الابتداء يحصل فضله بالشكر وإلا فهو نقمة، وأما ما يُعطى بالعناء فشكره هو تحصيله، فمن شرح الله صدره لحق ابتداءً فإن حصول الفضل لهذا المرء أن يؤدي شكرها وإلا انقلب ضيقًا وفاته فضلها، وأما من حصل له الشرح بعد معاناة فإن فضلها هو تحصيلها، ففي المآل إن استقرت نعمة الشكر لهما فإنما التفاضل بالعمل لا بذات النعمة، والله أعلم.
فهذه النعمة من شرح الصدر هي مقدمة كل النعم، فليس هناك من نعمة في الوجود يحصل لصاحبها خيرها إلا بشرح الصدر لها ابتداءً ولغيرها معها، وإلا فالمرء إنما يسعد لما يُحِسُّ من معان في باطنه للنعم الظاهرة والباطنة، فكم من صاحب نعمة وهو من أشقى الناس بها أو بغيرها فلا يحس بها ولا بغيرها، وهذا من أشد العذاب كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] .
فشرح الصدر للمعاني يكون نعمة إذا كان المعاني حقًا، وشرح الصدر للنعم الظاهرة أمر زائد عليها لا يحصل التنعم بها إلا مع هذا الشرح وإلا فهي ضيق، وسيفوت الإنسان التنعم والتلذذ بها.
وحاجة الداعي خصوصًا لشرح الصدر أكثر من حاجة غيره إليها، لأن الدعوة حمل وابتلاء، وآلام ومعاناة، ومن غير شرح الصدر للحق الذي يحمله فإن طول الطريق ستؤدي به حتمًا إلى الهرب والتخلي، وبشرح الصدر تصبح الدعوة للحق وتحمل البلاء في سبيله رغبة وفرحًا، ولا يكون له هذا الفضل إلا بالعلم حالًا ومقامًا، وبإدراك حكم الأقدار والتسليم ليد الله تعالى فيها حتى تذوب إرادته، فتتحقق فيه العبودية التامة، إذ أن هذا معنى العبودية، فإن كلمة العبد حقيقتها التسليم وترك الاعتراض باطنًا وظاهرًا.
(1) المسند: 3/ 549/ح 11805، 4/ 25/ح 12576. وهو أيضًا عند أبي يعلى الموصلي في مسنده: 19/ 344/ح 3882. وقال عنه الهيثمي في (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) : 5/ 554/ح 9583: رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح.