الصفحة 15 من 54

هذا المنّ الإلهي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) } ؛ يبين لك أهمية حال الوعاء الحامل للمعاني، إذ لا يكفي أن تكون المعاني صالحة، بل لا بد من صلاح الوعاء، وهذا باب من أبواب القدر الذي استأثر الله علمه به، وهو داخل في قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا ذُكر القدر فأمسكوا» [1] ، لأنه لو سائل لِمَ خَلَقَ الله وعاءً صالحًا ووعاءً فاسدًا وما هو معيار هذا التقسيم القدري في عالم الغيب، لكان الجواب: إن هذا مما قال فيه ابن عباس -رضي الله عنه-:"الناظر في القدر كالناظر في الشمس كلما ازداد فيها نظرًا ازداد فيها حيرة" [2] ، والله يقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] ، وعلى العبد إن علم الحق أن يجاهد نفسه لتحصيل حبة، فإن لم يحصل له ذلك فليعمل به مجاهدًا لنفسه عملًا وامتثالًا.

يقول تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) } .

تقدم أن شرح الصدر الممدوح يكون للحق، ولما كان الإنسان له نصيب من الوزر كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» [3] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة الحديث» [4] . كان من عوارض هذا الشرح هو الذنب، لأنه ظلمة وضيق كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257] ، ولقوله تعالى عن ابن آدم الأول لما قتل أخاه: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31] ، ولقوله: {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119] . وغير ذلك من الآيات، كان من تمام استقرار نعمة الشرح ومن دفع الإرادة وانطلاقها لمهمات العبودية أن يرفع الوزر الثقيل عن الداعي العامل، ولذلك كان من أعظم النعم على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن قال له في بيان نعمة الفتح والنصر: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 1،

(1) (مسند الحارث) للهيثمي: 2/ 748/ح 752. وقال عنه الحافظ العراقي في (تخريج أحاديث الإحياء) : رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد حسن.

(2) ذكره ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في (جامع بيان العلم وفضله) : 1/ 945. ونسبه إلى جعفر بن محمد.

(3) (سنن الترمذي) : 7/ 213/ح 2547. وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة. ولأحمد في (المسند) : 4/ 53/ح 12757. رواية أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كل ابن آدم خطاء، فخير الخطائين التوابون، ولو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» .

(4) (صحيح البخاري) : 5/ 2304/ح 6243. طرفه: 6612.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت