الصفحة 16 من 54

2]. وبحصول هذا الفضل العظيم كان الارتقاء إلى نعمة الشكر كما قال رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لأمنا عائشة -رضي الله عنها-: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» [1] .

ومن مبشرات الأنبياء لشعوبهم الذين آمنوا حصول المغفرة ورفع الذنب كما بشر بذلك نوح عليه السلام أمته بقوله: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 3، 4] ، وكقوله تعالى على لسان نوح وهود وصالح لأقوامهم: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10] ، وهذا ما قالته الجن لأقوامهم لما سمعوا القرآن: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [الأحقاف: 31] ، وذلك لفقههم أن أعظم النعم الربانية على العبد هو محو الذنب ورفع الوزر، وهذا لا يعرف قيمته إلا من علم معنى الذنب، فإن الذنب ظلم لحق الله تعالى وظلم الإنسان لنفسه وظلم للوجود كله، فإن أثر الذنب لا يقتصر على نفس الإنسان بل على الوجود كله من سماوات وأرض وشجر وجبال ودواب، وهذا في ذنب الإنسان مع نفسه، فإن كان ذنبه متعديًا في ذاته فإن أثره أعظم وجريمته أشد، ولذلك كان أعظم الذنب بعد الشرك بالله هو ظلم الناس وإفسادهم كما قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] .

فالعاقل يجتنب الذنب لمعاني كثيرة أولها أن هذا خروج عن حد العبودية لله تعالى، والله -عزَّ وجلَّ- يغار، وغيرته أن يأتي العبد ما حرم الله، وبالخروج عن العبودية يحصل تسلط العدو على الإنسان كما قال تعالى عن الصحابة -رضي الله عنهم- في أُحد: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمران: 155] ، والعبد العاقل يأنف أن يكون دابة يُقاد من قبل خصمه، وأعظم خصومه الشيطان، ومن المعاني التي تمنع العبد اقتراف الذنب هو خروج العبد عن حد الحياء بالذنب، فإن الذنب عورة، فحيث يحصل للعبد ذنب يتم كشف عورته كما وقع لأبيه آدم عليه السلام كما قال تعالى: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} ، لأن الذنب يعني الضعف والسوأة، والعاقل يأنف من كشف سوأته وعورته، والعاقل حيي يستتر عما يهينه ويصغره.

(1) صحيح البخاري: 1/ 380/ح 1113، 4/ 1830/ح 4717، 5/ 2375/ح 6471. ... طرفاه 1130،4836.

صحيح مسلم: 17/ 136/ح 7073،7074،7075.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت