الصفحة 17 من 54

كما أن العاقل يجتنب الذنب لآثار هذا الذنب، وأول آثاره وقوع غضب الرب عليه، والعبد واصب القدر في إرضاء سيده، معرض عما يوقع غضبه، كما أن الذنب ظلمة للنفس ومذهب لنورها، وهو مميت لإرادتها إلى الطاعات، مع ما على الذنب من عذاب أخروي، ولذلك فإن النعمة في الذنب ألا يقع فيه العبد ويعصمه الله منه كما وقع هذا للمحسنين من عباده، فهذا يوسف عليه السلام يقول الله في منّه عليه حيث منعه الفاحشة: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] . وقال عن أم موسى عليهما السلام: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10] ، وقال عن نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأخص أصحابه من المهاجرين والأنصار في غزوة تبوك: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117] .

ولذلك فإن أعظم الناس مقامًا يوم القيامة هو محمد - صلى الله عليه وسلم - صاحب الشفاعة العظمى حيث يُدعى من قِبل الخلق بها فيقوم لها، وذلك لخلوه من هذا الأمر، ولذلك فمعنى قوله تعالى هنا لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} ، إنما هو التوبة برفع الذنب قبل وقوعه، ومنع صدوره منه، وهذا أعظم معاني التوبة والرحمة.

وكل الآيات التي فيها دعوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - للاستغفار هي بهذا المعنى، وذلك قبل قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} ، فإن الاستغفار هنا لا لدفع ذنب وقع، ولكنه لمنع ذنب لم يقع، وهذا أعظم مراتب الاستغفار، وهو الذي طلبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي بكر الصديق لما سأله عن دعاء يدعو به ربه فقال له قل: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» [1] ، وهذا الاستغفار هو ما يحقق منع الذنب، كما يحقق رفع الدرجات وتحصيل القُرب من الرب، وأدنى منه -وهو عظيم عند الله تعالى- هو استغفار العبد عن حاله في كونه هذا الإنسان الذي قال الله عنه: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}

(1) صحيح البخاري: 1/ 286/ح 825. واللفظ له. صحيح مسلم: 17/ 25/ح 6819. وفي روايته: «ظلمًا كبيرًا» بدل: «ظلمًا كثيرًا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت